إدمان «دور الضحية»
تأملت وجه سائق أحد الميكروباصات التي ألقاني بها حظي العاثر بعد أن تعطلت سيارتي، كان وجهه يتقلص بشدة وهو يغني بحرقة كيف أصبح الناس أشراراً، وكيف التقط رجال الشرطة صديقه المقرّب، ثم راح يصرخ مع مغني المهرجانات ذي الصوت الأجش في الأغنية التالية «يا شاويش ماتكلبشنيش»، وكيف أن «الضيقة فيها ناس بريئة مدتها بتمشي بالدقيقة». ثم لم يلبث أن اعترف على الملأ: «أنا شقي وشارب واحدة براندي، صياد نص الليل رامي شبكي زي العنكبوت أنا بصطاد الفريسة.. أفاتار حملة.. شراستي غريزة لو وسط الكترة معايا ميزة.. لوحدي جبروت».
الحقيقة أنني وقفت أمامه حائرة، إن نظرت لوجهه سوف ترى ضحية حقيقية للبشر والظروف يتقمص دورها باقتدار، وإن تأملت فعله، فستجده يمارس بلطجة متكاملة على سائقي الملاكي في الشارع، ويواصل عمل «الغرز» بسرعة فائقة، لم تفلح معها توسلات الركاب لتخفيف السرعة، أو خفض الصوت.. كان منهمكاً في ممارسة التجاهل بكفاءة شديدة.
ذكّرنى هذا الشاب الثلاثيني بكثيرين مثله ممن يدمنون تقمص دور الضحية، ولا يأبهون بأي معاناة قد يتسببون فيها، بل ينظرون لها كأعراض جانبية، تذكرت لحظتها ذلك البودكاست الذي سمعته قبل فترة يتحدث عما يسمى «إدمان دور الضحية»، هي ذاتها الأفكار التي صادفتها في كتاب سابق حول إدمان المعاناة والإهانة، البعض يرتعب إن شعر ببعض الراحة أو الاحترام، هدوء القلق يمنح هؤلاء شعوراً أن ثمة خطباً، الأمور ليست على ما يرام، هناك فخ!
الأنكى أن غياب الشعور بالظلم لدى البعض يتم ترجمته تلقائياً إلى شعور بأنهم ظالمون، بل ومجرمون!، ربما لهذا احتفى أسلافنا بتلك الحالة، مؤكدين: «يا بخت من بات مظلوم ولا باتش ظالم».. الحياة في تلك اللحظة تنقسم إلى لونين أبيض وأسود، ويصير البشر في الحياة ضمن خانتين اثنين.. إما ظالم أو مظلوم.
هنا يتحول أخذ الحق لـ«حرفة» لا يتقنها الجميع، ويصير الحديث عن ألف باء الحقوق والواجبات افتراء، هؤلاء الذين اعتادوا غض الطرف والقبول والصمت والتماهي والتكيف مع الأمور التي يكرهونها يصير أي اعتراض صادر منهم وقاحة وتُحسب أي مطالبة منهم بالحقوق تخطياً للحدود وخروجاً عن النص، بعضهم يتماهى مع دور الضحية في صمت، وبعضهم يتحول إلى شخصيات سامة، تواصل إيذاء الآخرين، من منطلق أنهم ضحايا ولهم الحق في أي فعل يقومون به.
إذاً، مَن الظالم ومَن الضحية فى عالم يفكر كثير من أفراده باعتبارهم ضحايا لا يرتكبون أخطاء وأن العالم من حولهم موحش ومجرم، ملائكة ينظرون للبقية على أنهم «الوحوش اللي بره دول»!
كيف يمكن التفرقة حقاً بين الظالم والمظلوم، المفتري والمفترى عليه؟ إن كان الجميع يشعرون حقاً أنهم ضحايا؟ عثرت على إجابة رائعة، جملة قرأتها ضمن حديث لطبيب نفسي قال: «الجاني يتحدث عن الضحية.. الضحية تتحدث عن الموقف».
هكذا الأمر إذاً، ليست أبيض بالكامل ولا أسود كلياً، الكل ظالم ومظلوم بشكل أو بآخر، لن تخلو الحياة من الإيذاء ولن تسير على حساب وداد قلوبنا، أو حسب الكتالوج الذي نحمله في عقولنا بما فيه من تعريفات للخير والشر والطيب والشرير والجيد والسيئ، ربما إدمان دور الضحية هو السبب الرئيسي وراء مواصلة المعاناة، وربما مجرد الإدراك والانتباه أنه لا أحد يصير ضحية إلا إذا قرر ذلك يكون بداية الخروج من الدائرة الجهنمية، أو كما قال أرسطو: «علينا أن نحرر أنفسنا من الأمل بأن البحر يوماً سيهدأ، علينا أن نتعلم الإبحار وسط الرياح العاتية».