محمد مسعود يكتب: الحكم بعد المشاهدة
محمد مسعود يكتب: الحكم بعد المشاهدة
منذ وقت ليس بعيداً، تبادر إلى ذهنى سؤال مفاده «لماذا لم يتم التأريخ للدراما المصرية كما تم التأريخ للأعمال السينمائية؟»، تبعه سؤال آخر «إذا لم يبادر أحد بتأريخ هذه الأعمال العظيمة وتوثيقها.. لماذا لا تكون أنت المبادر الأول؟»، الدراما المصرية صناعة عظيمة، أعطت وأسهمت ولعبت دوراً مهماً فى تشكيل وجدان المصريين والعرب ككل، من المحيط إلى الخليج، حتى أصبحت أحد أهم أركان القوة الناعمة المصرية.
وبدأت بالفعل فى مشروع قومى كان أول شروطه ألا أحصل على أى مقابل مادى نظير هذا التأريخ والتوثيق، أو أى عائد نظير نسبة بيع موسوعة «أساطير الدراما»، هكذا اتفقت مع الناشر حسين عثمان مؤسس دار «ريشة» للنشر والتوزيع، كان هذا الشرط جزءاً من رد الجميل إلى بلدى وصناعتها، وصناعها الذين قدّموا الكثير والكثير لدعم القوة الناعمة المصرية، ولعلى أعلن عن ذلك للمرة الأولى، ولست فى حاجة إلى شكر ليقينى أن «فضيلة العين أن ترى» ولا شكر على واجب.
أصدرنا جزءين من الموسوعة، وتم التأريخ فيها لخمسين مسلسلاً مصرياً من خلال كواليس صناعتها كاملة من البداية وحتى النهاية، والآن وأنا أعكف على العمل فى الجزء الثالث، وصلتنى دعوة كريمة من الكاتب الصحفى مصطفى عمار، رئيس تحرير «الوطن»، للكتابة عن دراما الشهر الكريم، لأجد نفسى فى مفترق طرق جديد، وحيرة بين عظيم يتم توثيقه، ومرحلة مهمة وخطيرة ومدهشة من تغيير جلد الدراما المصرية، وولادة جيل جديد يحمل لواءها للسنوات القادمة.
بنظرة سريعة على مجمل الأعمال -مع الأخذ فى الاعتبار أننا ما زلنا فى بداية الحلقات الأولى- يبدو كل شىء وقد نغير تماماً، ثورة تقنية مدهشة ملاحظة منذ سنوات، لكن فى السنوات القليلة الماضية، كان المحتوى الدرامى للأعمال أقل بشكل ملحوظ من مستوى التطور التقنى، وجودة الصوت والصورة التى تضاهى الأعمال السينمائية، فى تكنيك التصوير وميزانسين المشهد، عكس دراما الزمن الجميل التى كان المحتوى يغلب الصورة بمراحل، ربما بفعل تقنيات وتكنولوجيا الزمن الماضى البدائية، لكن لا لوم على هذا ولا على ذاك فكل عمل فنى ابنٌ لزمنه.
كنت أتمنى فى الأعوام السابقة أن تكتمل المعادلة فى جميع الأعمال، فقد اكتملت بالفعل فى بعضها، مثل «هجمة مرتدة»، وأجزاء مسلسل «الاختيار» التى وضعتنا أمام الحقيقة وجهاً إلى وجه، وكانت المسلسلات عبارة عن رصاصات فى وجه الزيف والتضليل، أعمال فجّرت ماكينات الشائعات وحرمت مضغ الكذب وهضم الأكاذيب.. قطعت الشك باليقين ووضعت المشاهد فى خانة الإدراك، بعد أن كان فى مرمى الشك.. وعلى ذمة الظنون.
الآن، وقد وصلت بنا سفينة الزمن إلى رمضان 2026، ومن واقع خبرتى وبحثى لسنوات فى شئون الدراما التليفزيونية، نحن على أعتاب عقد كامل من النجاح الدرامى، بعد أن تم تقنين الصناعة، والاعتماد على العقول الجيدة، والمواهب المبشرة.
أولى هذه المواهب اكتشفتها أثناء متابعة الحلقات الأولى من مسلسل «حد أقصى» الذى لعبت بطولته روجينا، وكتبه هشام هلال وورشته، وأخرجته مايا زكى.
مايا زكى، ابنة الدكتور أشرف زكى والفنانة روجينا، كانت أولى مفاجآت الشهر الكريم، وأول ما أفاض لنا ومن علينا بموهبة إخراجية سيكون لها شأن كبير بين أقرانها، «مايا» التى تقدّم نفسها كمخرجة كبيرة فى تجربتها الأولى، وضح جلياً أنها تملك أدواتها بشكل مدهش، سيطرة على اللوكيشن، اختيار زوايا تصوير جيدة، العمل على الممثل نفسه لإخراج أفضل ما فيه، وربما كان أفضل ظهور لروجينا نفسها فى أعمالها منذ سنوات تحت قيادة ابنتها، انفعالات محسوبة، لا مغالاة فيها، وأداء طبيعى يفوق ما قدمته خلال السنوات الماضية.
المؤكد أن الحديث سيطول عن نجوم من المؤلفين والمخرجين والممثلين الذين أعادت الشركة المتحدة وجهات الإنتاج المتعاونة معها اكتشافهم ووضعهم فى خط مهم من خطوط الدفاع عن الفن والهوية المصرية، ليكونوا كتيبة جديدة انضمت بموهبتها للدفاع عن قوة مصر الناعمة.
وللحديث بقية.