مسجد الفولي بالمنيا.. زاوية تحولت إلى خلوة للعبادة في رمضان
مسجد الفولي بالمنيا.. زاوية تحولت إلى خلوة للعبادة في رمضان
في قلب مدينة المنيا، وعلى مقربة من النيل يقف مسجد الإمام أحمد الفولي شامخاً بتاريخه وروحانياته، شاهداً على قرون من الزمن، ومحتضناً آلاف المصلين الذين يفدون إليه في شهر رمضان، باحثين عن لحظات صفاء تتوجها نسمات الشهر الكريم، لأنه ليس مجرد مسجد تؤدى فيه الصلوات، بل مدرسة إيمانية ورمز شعبي وتراثي، تتعطر جدرانه بعبق الماضي وتتجدد فيه مشاعر الخشوع في الحاضر.
«مسجد الفولي خلال شهر رمضان خلوة كبيرة للعبادة»، بهذه الكلمات وصف الشيخ محمد أحمد عبدالعظيم، إمام المسجد، الوضع، وتابع: «الناس طوال شهر رمضان بين راكع وساجد، ومعتكف على كتاب الله تلاوة وتدبراً، ويكون المسجد عامراً بالذكر والاستغفار، فالكل يتوجه بالدعاء إلى الله بأن يعتق رقابهم وآبائهم وأهاليهم من النار، فهو شهر العتق من النار، ونحن هنا في مسجد الفولي نشهد خشوعاً في صلاة القيام، يلامس القلوب قبل الجوارح، وهذا الخشوع هو روح رمضان الحقيقية».
الخديو إسماعيل أمر ببناء المسجد عام 1946
وأضاف أن سبب ارتباط الناس بهذا المكان يتمثل في أن المسجد منسوب لأحد أولياء الله الصالحين، الشيخ أحمد الفولي، الذي كان عالماً في زمانه وفقيهاً شافعياً، ارتبط الناس بعلمه وحلمه وزهده، وظلت هذه الصلة الروحية قائمة حتى بعد انتقاله إلى جوار ربه، وصار علماً على مدينة المنيا التي تعرف بمنيا الفولي.
هذه الروحانية المتأصلة ليست وليدة اليوم، بل تمتد جذورها في عمق التاريخ، فالمسجد الذي نراه اليوم بحجارته وأعمدته، يحمل في طياته قصة كفاح وورع وتصوف، وروى الدكتور رجب محمد عبدالسلام، مدير عام آثار مصر الوسطى للآثار الإسلامية سابقاً، تفاصيل هذه القصة قائلاً: «المسجد له قيمة شعبية كبرى، وهو مزار ديني مصري بامتياز، وصاحبه هو الشيخ أحمد بن علي بن محمد بن علي اليمني المصري الشهير بـ«الفولي»، والده قدم من اليمن واستقر في القاهرة، أما الشيخ أحمد فولد عام 990 هجرية، وتلقى العلوم وسار على المذهب الشافعي، وتزوج من أهل المنيا، وعُرف بالتصوف، فأنشأ زاوية له على شاطئ النيل بالمنيا، أما كنية «الفولي» فجاءت لكونه كان يبيع الفول ويعمل في التجارة الحرة، وتوفي الشيخ عام 1076 هجرية ودفن في ضريح بزاويته».
تصميم المسجد على الطراز المغربي الأندلسي
وواصل الدكتور رجب سرد المحطات التاريخية للمسجد قائلاً: «في منتصف القرن التاسع عشر، مر الخديو إسماعيل بالمنيا، وعرف قصة الفولي، فأمر ببناء مسجد مكان الزاوية القديمة، ثم في عام 1946 قررت وزارة الأوقاف إزالة المسجد القديم وإقامة المسجد الحديث الموجود حالياً، الذي تم تصميمه على الطراز المغربي الأندلسي، وهو ما يظهر جلياً في عقوده المفصصة ومئذنته المربعة الشكل».
الطراز المعماري الفريد للمسجد يضفي على المكان جمالية خاصة، تزيد من شعور الزائر بالرهبة والسكينة، فحوائط المسجد المبنية بالطوب الأحمر والمكسوة بالحجر الصناعي، وأعمدته الخرسانية المغلفة بالموزايكو، وأسقفه المنقوشة بزخارف عربية دقيقة بألوان متعددة، كلها عناصر تنقل المصلي إلى عالم من الجمال والروعة، خاصة في ليالي رمضان التي تتزين فيها المئذنة بالأنوار.
وفي هذه الأجواء الخاشعة، يرتفع الأذان ليصدح في أرجاء المدينة بصوت عيسى تغيان، مؤذن المسجد، الذي وصف هذه اللحظات الفريدة في رمضان قائلاً: «عندما أقف لأذان صلاة المغرب، وأنا أنظر إلى النيل من جهة، وإلى بيوت الناس من جهة أخرى، وأرى المصلين يتوافدون من كل حدب وصوب، أشعر بمسئولية عظيمة وفرحة لا توصف، فالأذان في رمضان له نغمة مختلفة، وكأن كل حرف يخرج من القلب ليصل إلى قلوب الصائمين».
راحة نفسية في الزاوية
ولا تقتصر روحانيات المسجد على المصلين القادمين من أبناء المنطقة فقط، بل تمتد لتجذب زواراً من المحافظات، خاصة في شهر رمضان، وقال حسام أحمد، أحد رواد المسجد الدائمين: «مسجد الفولي ليس مجرد مكان للصلاة، فهو حالة خاصة، ففي رمضان تكون الأجواء لا توصف فمنذ دخولك من الباب تشعر براحة نفسية لا تجدها في أي مكان آخر، فالالتقاء بالوجوه المعروفة، والاستماع لتلاوة القرآن بخشوع، وصلاة القيام في صحن المسجد وسط هذا البهو الواسع، كلها لحظات تجدد الإيمان في القلب، فنحن نحرص على أن نعتكف في العشر الأواخر هنا، فهذا المكان يعينك على العبادة ويزيدك قرباً من الله».