من «صحاب الأرض» إلى الواقع.. طبيب مصري يجسد لـ«الوطن» مشهد المعبر : «اللي اتعرض عشته بحذافيره»
من «صحاب الأرض» إلى الواقع.. طبيب مصري يجسد لـ«الوطن» مشهد المعبر : «اللي اتعرض عشته بحذافيره»
لم يكن المشهد الذي ظهرت فيه الطبيبة «سلمى» والتي تجسد دورها الفنانة منة شلبي، وهي تحاول إدخال جهاز طبي عبر معبر رفح في الحلقة الثانية من مسلسل «صحاب الأرض» مجرد لقطة درامية صُممت لإثارة التعاطف، بل كان انعكاسًا حرفيًا لتجربة عاشها طبيب مصري على أرض الواقع، بتفاصيلها الدقيقة كما حدثت.
في مطلع مايو 2024، حزم الدكتور محمد توفيق، استشاري جراحة الشبكية والجسم الزجاجي بمعهد الرمد التذكاري، حقائبه متجهًا إلى قطاع غزة ضمن وفد طبي يضم 39 طبيبًا. لم يكن يحمل معه ملابس أو متعلقات شخصية تهمه بقدر ما كان منشغلًا بثلاث حقائب تضم جهازًا طبيًا بالغ الحساسية يعرف باسم «بي دي اي»، وهو جهاز ضروري لإجراء جراحات شبكية العين، وكانت مستشفى غزة الأوروبي جنوب القطاع، قرب مدينة خان يونس، قد أبلغت باحتياجها العاجل له بعد توقف عمليات الشبكية لستة أشهر كاملة.

مخاطرة في الرحلة
يقول الطبيب الأربعيني إن الجهاز الطبي الذي تبرع أطباء ألمان بقيمته البالغة 100 ألف يورو، يتكون من ثلاث وحدات مترابطة، وحدة رئيسية للعمل الجراحي، وأخرى لليزر، وثالثة للكيّ، وغياب أي جزء منها يعني استحالة إجراء العمليات. وكان من المفترض نقله داخل عبوته الأصلية المبطنة بالإسفنج لحمايته من الصدمات، لكن تعليمات العبور عبر معبر رفح البري بين الجانبين المصري والفلسطيني تفرض إدخال المعدات داخل حقائب سفر فقط، ما اضطر «توفيق» إلى إخراجه من علبته المخصصة وتوزيعه داخل ثلاث شنط، في مخاطرة حقيقية بأن يتعرض لأي ضرر.
رحلة شاقة
يحكي أنه عند وصوله إلى المعبر بعد رحلة شاقة انطلقت من القاهرة دخلت إحدى الحقائب إلى جهاز الفحص، وسأله المسؤول عما بداخلها، شرح له طبيعة الجهاز وأهميته، فجاء الرد الأول: «للأسف مش هينفع يعدي». لحظة صمت ثقيلة مرت قبل أن يقول الطبيب: «الجهاز ده لازم يدخل، لو رجع يبقى مالوش لازمة سفري لغزة». سأله المسؤول عن عمله، فأجابه: «أنا دكتور مصري استشاري جراحة شبكية ورايح أعمل عمليات للناس عشان أنقذ حياتهم أو على الأقل يقدروا يشوفوا النور تاني». بعد دقائق قليلة أغلق المسؤول الحقيبة قبل أن يبعدها عن جهاز التفتيش الإلكتروني وتجاوزها وكأن شيئًا لم يكن، ويحكي استشاري جراحة الشبكية إنه منذ تلك اللحظة تولى أفراد التفتيش وحتى الموظف الذي ختم جواز السفر حمل الحقائب الثلاث بأنفسهم، حرصًا على وصول الجهاز سليمًا.



نجاة من قنبلة
يروي «توفيق» أولى لحظاته داخل الأراضي الفلسطينية، إذ أنه بمجرد وصول الوفد إلى قطاع غزة دوّى انفجار قريب، كانت قنبلة ألقتها طائرات الاحتلال وسقطت بجوار سيارتهم، يصف الطبيب تلك اللحظة بأنها المرة الأولى في حياته التي يسمع فيها صوت قصف بهذا القرب: «مش عارف أوصف حسيت بإيه، ماكنتش فاهم إيه اللي بيحصل أو المفروض أعمل إيه في الموقف ده، ف طلعت الموبايل أبص فيه لقيت إن شبكات الاتصال كلها مقطوعة، وبقينا خارج التغطية خلاص كده وانفصلنا عن العالم».
قضى جراح العيون مهمته الطبية داخل مستشفى غزة الأوروبي، وكان من المقرر أن تستمر المهمة 7 أيام إلا أن معبر رفح أُغلق في اليوم الخامس، ثم تمت السيطرة عليه من قبل جنود الاحتلال الإسرائيلي، ليجد الطبيب نفسه عالقًا 21 يومًا داخل القطاع. قبل أن يخرج لاحقًا عبر معبر كرم أبوسالم، مرورًا بالضفة الغربية ثم الأراضي المحتلة وصولاً إلى الأردن، قبل أن يعود إلى مصر.


حكايات لا تنسى
ويحكي أنه من بين القصص التي لا ينساها خلال زيارته الأخيرة وقبل مغادرته بأربعة أيام، مشهد وصول سيدة سبعينية قُصف منزلها وكانت الناجية الوحيدة من أسرتها، ليتم نقلها إلى المستشفى مصابة بشظايا في كلتا عينيها مع نزيف وانفصال في الشبكية، وفقدت بصرها بالكامل، ليجري لها جراحة في إحدى العينين، ثم عاد إلى مصر دون أن يعرف النتيجة، إذ إن نتائج عمليات الشبكية قد تستغرق من شهرين إلى أربعة أشهر للظهور، ونسي الأمر وسط ضغط العمل، حتى تفاجأ بعد فترة بسيدة عجوز تدخل عيادته في القاهرة: «كشفت عليها وقولتلها نظرك في العين اليمين 6/9، والعين التانية مفقودة بس إنتي زي الفل، وسألتها على أخبار أهلنا في غزة، قالتلي هو أنت ما تعرفنيش؟، فقولتلها مش واخد بالي، فعرفتني بنفسها، وإنها خرجت في الهدنة وقعدت تدور على عيادتي وقالتلي أنا مش جاية أكشف، أنا جاية عشان أبوس رأسك، وحضنتني وقعدنا احنا الاتنين نعيط، وكان موقف مؤثر جدا».
يتذكر الطبيب أيضاً قصة أخرى لطفلة تدعى سارة العوضي، 16 عاما، أصيبت برصاصة من طائرة مسيّرة اخترقت جمجمتها واستقرت خلف العين، مسببة انفصالًا في الشبكية، وكانت حالتها خطيرة: «الطائرات دي بتضرب طلقات كبيرة حجمها 6 بوصة، كأنها قناص بالضبط» فأبلغ أهلها بضرورة نقلها إلى مصر، وبعد ثلاثة أشهر تم إجلاؤها وأجرى لها الجراحة واستُخرج المقذوف واستعادت بصرها.

600 عملية جراحية
ويقول إنه خلال وجوده في غزة أُجريت نحو 1000 عملية شبكية باستخدام الجهاز الذي خاطر بإدخاله، كان نصيبه الشخصي منها نحو 600 عملية، إذ أنّ عدم دخول الجهاز كان سيعني انتظارًا قد يمتد لعام ونصف آخر دون جراحات شبكية، ويحكي أنه لم يكن هناك وقت للتفكير أو الخوف، إذ يبدأ العمل منذ الساعة الثامنة صباحًا وينتهي في الحادية عشرة مساءً، ولا تزال ذاكرته تحتفظ بمشاهد الإبادة والقتل: «كانت غرفة العمليات بتترج أحيانًا تحت وقع القصف واحنا بنعمل عملية لمصاب وبنكمل شغلنا واللي ربنا كاتبه هو اللي هيكون»، ويروي أنه استيقظ ذات مرة ليجد نفسه على الأرض بعدما حرك انفجار قوي سريره، ويستعيد عبارة كان يرددها أهل غزة لطمأنته: «طالما سمعت صوت القنبلة ما تخافش، لأنك كده لسه عايش».


الزيارة الأصعب
وحول قرار السفر يشير إلى أنه لم يكن أمراً سهلاً، فهو متزوج وأب لأربعة أطفال، إلاّ أنّ ما دفعه للخطوة كان مشاهدته للطبيب المصري أحمد عبد العزيز، وهو جراح عظام شهير تجاوز السبعين من عمره يسافر إلى غزة لعلاج المصابين، فشعر أنه لا حجة لديه للتراجع، وبعد نحو 5 أشهر وتحديداً في شهر أكتوبر من العام نفسه عاد «توفيق» مرة أخرى إلى القطاع في ذروة الحرب، حيث أقام هناك 40 يوماً، ويصف الزيارة بأنها كانت الأصعب لأنه صار مدركًا لحجم المخاطر: «في مرة من المرات طيارة كواد كابتر دخلت ساحة المستشفى فجأة وابتدت تضرب نار، الدنيا اتقلبت في لحظة والناس جريت تستخبى وكل واحد بيدور على مكان يحتمي فيه، كانت لحظات رعب حقيقية، صوت الرصاص فوق راسنا والقلب بيدق بسرعة. بس الغريب إن أهل غزة نفسهم، رغم اللي بيحصل، كانوا هم اللي بيهدّوني ويقولولي ما تخافش، صبرهم كان حاجة مش طبيعية».


إشادة بمسلسل صحاب الأرض
وإلى جانب جراحات الشبكية، اقترح الطبيب الأربعيني على أفرا الوفد الطبي إجراء عمليات مياه بيضاء لمرضى فقدوا البصر بسببها. وخلال يوم واحد أُجريت 33 عملية، واستعاد المرضى قدرتهم على الإبصار في اليوم التالي، يصف المشهد بأنه كان مليئًا بالبكاء والذهول: «ناس رجعت تشوف النور تاني أشخاص بعد ما كانوا عايشين زي المكفوفين»، وأشاد استشاري جراحة الشبكية في نهاية حديثه بصناع مسلسل «صحاب الأرض» والإخراج: «أنا مش بتفرج على مسلسلات بس سمعت عنه وتفاجأت بمشهد المعبر لأن ده اللي حصل معايا بالضبط، ولما شوفت أول حلقة تأثرت جدا وعيطت وافتكرت كل المآسي اللي عيشتها هناك، وبوجه تحية لكل اللي أسهموا في العمل الإنساني ده».

الاحتلال الإسرائيلي يتعمد استهداف عيون الفلسطينيين
ويواجه آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة خطر فقدان البصر بشكل دائم في ظل استمرار الحصار الإسرائيلي ومنع إدخال المعدات الطبية اللازمة، بالتزامن مع ارتفاع غير مسبوق في إصابات العيون التي تعمّد جيش الاحتلال إحداثها خلال الحرب، وفي تصريح سابق حذّر مدير مستشفى العيون التابع لوزارة الصحة في قطاع غزة استشاري طب وجراحة العيون الدكتور عبد السلام صباح، من أن مصابي العيون يواجهون خطراً حقيقياً بفقدان بصرهم بسبب نقص العلاجات والأجهزة المناسبة.
ولفت إلى أن المستشفى يسجل يومياً حالات فقدان بصر لمصابين ومرضى نتيجة عدم القدرة على إجراء التدخلات الجراحية اللازمة، مع استمرار الحصار الإسرائيلي ومنع إدخال المستلزمات الطبية. لافتاً إلى أنّ عدد مصابي الحرب على غزة تجاوز وفقاً لإحصاءات وزارة الصحة، 171 ألف إصابة، مبيناً أن حوالي 11% منها هي إصابات في العيون، أي ما يعادل قرابة 17 ألف إصابة.
3 آلاف فلسطيني فقدوا البصر
أوضح أن الأطفال يشكلون 20% من هذه الإصابات، وهم الأكثر عرضة لفقدان البصر بسبب ضعف مناعتهم، ما ينذر بارتفاع أعداد ذوي الإعاقة البصرية في المجتمع. كما لفت إلى أن عدد المصابين الذين فقدوا بصرهم فعلياً خلال الحرب تجاوز 3 آلاف مصاب، مع عدم توفر إحصائيات نهائية دقيقة حتى الآن، متوقعاً أن تكون الأعداد الحقيقية عند حصرها رسمياً أكبر بكثير وصادمة.
وشدد على أن العديد من الإصابات تتطلب تدخلاً طبياً عاجلاً، لا سيما تلك التي تتعرض فيها مقلة العين للاختراق ودخول شظايا، ما يؤدي إلى التهابات خطيرة قد تنتهي بتفريغ العين، مؤكداً أن تأخير التدخل المباشر في مثل هذه الحالات يعني العجز عن تدارك الوضع لاحقاً.
وفي السياق أوضح الدكتور إياد أبوكرش، رئيس قسم العمليات والتخدير في مستشفى العيون بغزة، أن المستشفى استقبل في شمال القطاع فقط نحو 2077 إصابة في العينين منذ يناير 2024 وحتى سبتمبر 2025.
وأضاف أنّ 18% من هذه الإصابات أدت إلى تفريغ العين، فيما تضمنت 34% منها وجود أجسام غريبة داخل العين، وتعرّض 9% من المصابين لإصابة في كلتا العينين، ما يزيد احتمالات فقدان البصر بشكل كامل ودائم، لافتا إلى أن إصابات العيون تشكل 5 بالمئة من مجمل إصابات الحرب خلال تلك الفترة فقط.