محمود مرزوق يكتب: تواريخ صغيرة!
محمود مرزوق يكتب: تواريخ صغيرة!
لصعيد مصر تاريخه الخاص الذي يسير بشكل موازٍ لتاريخ مصر العام، ولعل أبرز تجليات هذا التمايز قد ظهرت خلال العصر العثماني، في هذه الأثناء، تمتع الصعيد بنوع من الاستقلالية الإدارية شبه التامة عن السلطة المركزية في القاهرة؛ إذ أُسندت شئونه الداخلية بالكامل إلى «قبيلة الهوارة».
كان هؤلاء الزعماء القبليون يمثلون حلقة الوصل المباشرة بين الفلاحين والسلطنة العثمانية، فهم من يجمع الضرائب بنظام «الالتزام» ومن ثم يرسلونها رأساً إلى الآستانة، متجاوزين بذلك كلاً من الوالي العثماني في القاهرة و«شيخ البلد»، وهو المنصب الذي عاد بالمماليك إلى سدة السلطة واستمروا كرقم صعب في معادلة الحكم والسياسة حتى عام 1811م، عندما استأصل محمد علي باشا شأفتهم للأبد.
وقد امتدت هذه الخصوصية إلى المنظومة القضائية؛ إذ اعتمد الصعيد على المذهب المالكي في التقاضي، بينما ساد المذهب الحنفي في القاهرة.. وتميزت العلاقة بين هؤلاء «الملتزمين» والفلاحين بطابع الغلظة والشدة، لا سيما في أوقات الأزمات والمحن؛ فسواء عند تفشي الأوبئة أو انخفاض فيضان النيل، لم يكن هؤلاء ليعيروا هذه الظروف أي اهتمام، فالضرائب المقررة يجب أن تُجبى بأي حال من الأحوال، إما طواعية أو كرهاً.
أمام هذا الواقع القاسي، لم يجد الفلاح مفراً سوى الإذعان، فكان يضطر إلى التفريط في ممتلكاته مهما كانت قيمتها حفاظاً على نفسه من البطش والتنكيل.. لا يسع من يتصفح ملامح تاريخ هذه الحقبة إلا أن يشعر بحزن عميق وأسى بالغ؛ فصاحب الأرض كان يُستذل ويُهان على يد أقوام لا حيثية لهم سوى امتلاك القوة، سواء كانوا من المماليك أو العثمانيين وحلفائهم.. يختصر عبدالرحمن الجبرتى المشهد وهو يؤرخ لإحدى السنوات، واصفاً حال البلاد ببساطة: «لم يحدث في تلك السنة شيء يستحق الذكر، سوى استمرار المألوف المعتاد»، أي استمرار ظلم ذوي السلطان والنفوذ.
وهكذا، وعلى مدى قرون طويلة، ظل شعور المصريين بالانتماء الوطني لمصر -كدولة- شعوراً هشاً وضعيفاً؛ إذ كانوا يرون أنفسهم مجرد عمال يكدّون من أجل لقمة العيش ليس إلا، والغاية النهائية من كدّهم هي تأمين الضرائب لصالح السادة.. لم يكن ثمة مشروع وطني جامع يمكن للمصري أن يشعر بأنه جزء منه، وبقى ولاؤه الأساسي محصوراً في دوائر ضيقة: قريته، حرفته، أو طائفته.
من هنا، يمكننا أن نفهم بشكل أعمق ظاهرة التفاف ملايين المصريين حول مشروع جمال عبدالناصر ودولة يوليو. فعند تقييم هذه الظاهرة، يجب أن نضع في الاعتبار حقيقة تاريخية مهمة: «عبدالناصر» كان أول حاكم مصري يتولى السلطة الفعلية في مصر منذ عهد الملك «نختنبو الثاني» من الأسرة الثلاثين المصرية القديمة.
ليس المقصود من هذا الطرح تبرير سياسات عبدالناصر بالمطلق، بل هو محاولة لفهم مشاعر المصريين تجاه حاكم تبنى سياسات استيعابية منحتهم مكاسب اجتماعية واقتصادية لم يسبق لهم أن تحصلوا عليها. قد يستفز هذا التحليل «الملكيين الجدد» أو أولئك الذين يكتفون بقراءة سطحية للتاريخ، يجترون فيها بضع عبارات دون محاولة جادة لفهم الواقع بعيداً عن التشنج الأيديولوجي. لا شك أن لعبدالناصر أخطاءً، لكن التفاف الجماهير حوله كان نتيجة مباشرة لسياساته التي وفرت فرص العمل وفتحت أبواب التعليم أمام شرائح واسعة لم تكن تحلم بذلك من قبل. إن التعاطف مع عبدالناصر ظاهرة مبررة تاريخياً؛ فالمواطن البسيط لا ينشغل بالتنظيرات، بل بما يلمسه من عيش كريم، وهذا الشعور كان متحققاً -ولو نسبياً- في عهد ناصر.