الصيام والإرادات المختلفة
جاء الصيام في شهر رمضان المعظم ليحقق معنى عظيماً عبّر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، فالتقوى ليست مجرد كلمة تُقال، بل هي حالة وعي دائم بحضور الله في حياتنا، ومراقبته في السر والعلن، وكل عبادة في الإسلام تهدف إلى ترسيخ هذا المعنى، معنى التقوى، غير أن الصيام يختص بميزة فريدة، إذ يربي الإنسان على قوة الإرادة وضبط النفس في أعمق صورها، وهزيمة العجز، فمن قدر على ترك الطعام والشراب وهما من غرائز الفطرة قدر على ترك ما دون ذلك.
إن أول ما يصنعه الصيام في نفس الصائم هو إرادة التغيير وهزيمة العجز والإحباط، فالصائم يمتنع عن الطعام والشراب، وهما مباحان في الأصل، مع قدرته عليهما، وربما كان اليوم شديد الحر أو شديد البرد، أو طويل الساعات، ومع ذلك يختار الامتناع طاعةً لله، هنا يكتشف الإنسان أنه ليس ضعيفاً كما كان يتصور، وأنه قادر على الانتصار على رغباته، ويسقط وهم الكسل واليأس والعجز، ويحل محله شعور بالقدرة والثقة.
يتعلم الصائم أن يرفع الشعار القرآني العظيم: (إن الله معنا)، وأن يستحضر معاني القوة التي جاء بها القرآن: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾، فالصيام يوقظ في النفس الإحساس بالإمكان بعد أن كانت نفسه أسيرة العجز. ثم تأتى إرادة الترك، وهي من أعظم دروس رمضان، ففي الحديث القدسي: «الصوم لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي».
فإذا كان الإنسان قادراً على ترك الحلال بإرادته خالصاً لله، فهو بلا شك أقدر على ترك الحرام والسلبيات التي تُثقل حياته، ومن استطاع أن يصبر ساعات طويلة عن الماء، يستطيع أن يقلع عن التدخين، وأن يكف لسانه عن الغيبة، وأن يعيد تنظيم وقته بدل إضاعته، ويستطيع كذلك أن يخفف تعلقه المفرط بالهاتف ووسائل التواصل، فيقلل ساعات الشاشة، ويضبط تصفحه، ويتحرر من أسر المحتوى السريع الذي يسرق العمر دون أن نشعر، فجوهر الصيام هو السيطرة والتحكم لا الاستسلام، والقيادة لا الانقياد.
ومن هنا يتدرب الصائم على قول «لا»، لا لضغط الأصدقاء حين يدفعون إلى سلوك خاطئ، لا للمحتوى غير اللائق، لا للتجارب التي تضر ولا تنفع، لا للعجز لا للفشل، رمضان يعلّم الإنسان أن يقول «لا» لأقوى دافع فطرى وهو الجوع والعطش والجنس، فكيف لا يستطيع أن يقولها لما هو دون ذلك؟
ويبقى ضبط الانفعالات أحد أهم ثمار الصيام، قال النبى الكريم صلى الله عليه وسلم: «فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم»، وجاءه رجل فقال: أوصني، قال: «لا تغضب»، فالصيام ليس امتناعاً عن الطعام فقط، بل هو تدريب عملي على التحكم في الغضب، وكبح الاندفاع، وحفظ اللسان.
إن رمضان مدرسة سنوية لصناعة الإرادة بمختلف صورها: إرادة التغيير، وإرادة الترك، وإرادة التغيير، ومن أحسن استثمار هذه المدرسة خرج منها أقوى نفساً، وأثبت عزيمة، وأقدر على مواجهة تحديات الحياة بثقة وأمل، وهذا هو معنى قول ربنا عز وجل (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).