صانع الفوانيس

يجلس على الأرض ماداً إحدى ساقيه في حين يطوى الأخرى أسفل منه، أمامه كتلة خشب يعمل عليها، وإلى جواره قطع الصاج والزجاج الملون: أحمر وأزرق وأخضر وأصفر، إنها الأدوات التي سيصنع بها بهجة رمضان المتجسدة في فانوس. لم يكن الفانوس البطارية معروفاً وقتها، بل الفانوس الشمعة الذى كان وما زال رمزاً أساسياً من رموز رمضان، وحتى بعد أن أُلغيت الشمعة في الفوانيس الكبيرة، وأصبح المصباح الكهربائى يحل محلها، يطلق الكثيرون على الفانوس التقليدي -صغر حجمه أو كبر- «فانوس شمعة».

صُناع الفوانيس التقليدية زمان كانوا يعملون داخل ورش صغيرة تنتشر في الأحياء الشعبية، تجد الصانع يجلس ممسكاً بمكواة اللحام وقضيب «الأزير»، يلتقط قطع الصاج، وينظمها إلى جوار بعضها البعض في أشكال هندسية بديعة، يتم تجميع القاعدة، ثم جسم الفانوس الذى يتكون من مجموعة من النوافذ المزينة بالزجاج الملون، ثم التاج الذء توجد به الحلقة التي تمسك بها اليد التي ترفع الفانوس لتفرح به. أذكر أن هذه الورش كانت قائمة في ميدان «بركة الفيل» بحء السيدة زينب، وكان صُناع الفوانيس يعملون فيها على مدار عدة شهور قبل شهر رمضان، وكان السبب في ذلك كثرة «الطلبيات» اللازمة للمحلات والشوادر والبسطات التي ستباع فيها فوانيس رمضان بالقرى والنجوع ومدن ومحافظات المحروسة.

هل كان صانع الفوانيس يشعر بقيمة ما يفعله، وأن هذا الفانوس الذء يجمع أجزاءه ويلونه ويزينه ويُجمّله مصدر أكيد للبهجة التي تلتمع في عيون الصغار حين يمسكون به، بل وفى عيون الكبار حين يشعرون بالسعادة التي تتسلل إلى قلوبهم وهم يرون الفانوس فيتذكرون طفولتهم وكم الفرح الذء كانوا يشعرون به وهم يحملون الفانوس، ويسيرون به في مواكب طفولية تظللها سحابات البراءة والانطلاق؟. ربما كان الصانع يشعر بالسعادة حين يخرج الفانوس من يده قطعة فنية بديعة، ينظر إليه فيحس أنه أنجز عملاً طيباً جيداً، وربما سرح في اليد التي سوف تحمله وتهلل به في ليالي رمضان فيسعد ويرضى.

ما زال الفانوس الشمعة بطلاً من أبطال رمضان، وما زالت الأيدي الماهرة التي تصنعه تعمل في ورش أقل في العدد مما كانت عليه الحال في الماضى، لكنها ما زالت موجودة وتعمل وتصنع، يكفي أن نشير في هذا السياق إلى منطقة تحت الربع التي تحتفظ بعبق «فانوس الماضى». نعم يكاد الفانوس الشمعة أن يختفي اليوم وسط طوفان الفوانيس الخشب والبلاستيك والأخرى التي تأخذ شكل اللعب وغير ذلك، إلا أنه لم يزل صامداً، فالفوانيس الكبيرة ما زالت تُصنع تقليدياً من الصاج والزجاج الملون. نعم أبدعت القريحة المصرية أنواعاً أخرى من الفوانيس الكبيرة المصنوعة من القماش أو من الخشب، لكن ما زال للفانوس الكبير التقليدي رونقه، وهو الأكثر حضوراً في مداخل البيوت، وفى زينة الشوارع والأماكن والمباني المختلفة، التي يحب من فيها أن يشعروا ببهجة الشهر الكريم عبر النظر إلى هذا الفانوس الذي تفنّن فيه صُنّاعه.