أعلام التصوف من النساء (4) عائشة الباعونية.. الصالحة المتفردة علما وأدبا وديانة وصيانة

اندهش عرفان لما بين يديه من أشعار وفيوضات روحية في التصوف، وآراء في الفقه والشريعة لهذه السيدة التي لم يعطها التاريخ حقها، في أي من ألوان الكتابة والإبداع والتفكير هذه التي برعت فيها. ضرب كفاً بكف محدثاً نفسه عن قسوة هذا التهميش الذي لحق بواحدة على هذا النحو، سواء كان عن عمد، أو دون قصد.

كان اسم «عائشة الباعونية» قد ورد أمامه مصادفة، مصحوباً بوصفها أنها «الشيخة الصالحة العالمة الأديبة، أعلم نساء القرن العاشر الهجري، التي نالت من العلوم حظاً وافراً، وأجيزت بالإفتاء والتدريس في مساجد القاهرة، وألّفت عدة كتب، وكانت إحدى شاعرات العصر المملوكي»، ثم وجد وصفاً آخر لها بأنها «واحدة من أعظم النساء في التاريخ الإسلامي في العلم والأدب والتصوف والفقه، وربما لم يقم في تاريخ الإسلام بعد كبار الصحابيات والتابعيّات مَن يشبهها في العلم والفضل والإجادة والتأليف، وهي تزيد مكانة عن الخنساء بين الجاهليين، وقد فاقت أي امرأة أخرى قبل القرن العشرين».

سأله سرحان عمن أتوا على ذكرها، فأجاب عرفان:

وصفها ابن العماد الحنبلي في ترجمة لها بكتابه «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»، بأنها «أحد أفراد الدهور ونوادر الزمان فضلاً وأدباً وعلماً وشعراً وديانة وصيانة»، فيما أتى على ذكرها خير الدين الزركلي في كتابه «الأعلام»، وكذلك حافظ الشام نجم الدين الغزي في كتابه «الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة»، والإمام نجم الدين الغَزّي في كتابه «الكواكب السائرة»، وأدرج اسمها ضمن «موسوعة الشعر العربي»، التي أصدرها المجمّع الثقافي في أبوظبي، وأوردت لها اثنتي عشرة قصيدة، ضمن فنون شعرية كثيرة برعت فيها، مثل الموشحات والدوبيت والزجل والمواليا والمخمسات والمسمطات، فيما تُعدُّ قصيدتها «البديعية» من أشهر البديعيات في الأدب العربي، التي تقول في مطلعها:

«في حُسن مَطلَعِ أَقمار بِذى سَلَم.. أَصبَحتُ في زُمرَةِ العُشّاق كَالعَلَمِ أَقول وَالدَّمعُ جارٍ جارِحٌ مُقَلى.. الجار جار بِعَذل فيهِ مُتّهِمى أَحِبّةٌ لَم يَزالوا مُنتَهى أَمَلى.. وَإِن هُمو بِالتَّنائى أَوجَبوا أَلَمى علَوا كَمالاً جَلوا حُسناً سَبوا أمَماً.. زادوا دَلالاً فَنى صَبرى فَيا سَقَمى بلَغتُ في العشق مَرمى لَيسَ يُدرِكُهُ.. إِلّا خَليعٌ صَبا مِثلى إِلى العَدَمِ كَتمتُ حالي وَيأبى كَتمَهُ شَجَني.. بِحُكمِيَ الفاضِحين الدَّمع وَالسَقَمِ أَحِبّةٌ ما لِقَلبى غَيرُهُم أَرَبٌ.. وَحُبهم لَم يَزَل يَربو مِن القِدَمِ لَهُم شَمائِلُ بِالإِحسان قَد شَملَت.. وَعَلّمت كَرَمَ الأَخلاقِ وَالشِّيَمِ مُحَمّد المُصطَفى ابن الذّبيح أَبو.. الزهراءِ جدّ أَميرَى فِتيَة الكَرَمِ خَير النَبيّينَ وَالبُرهانُ مُتَضِحٌ.. عَقلاً وَنَقلاً فَلم نَرتَب وَلَم نَهِمِ».

راح عرفان، قبل لقاء صاحبه، يبحث عن سيرة الباعونية، التي احتفلت اليونيسكو عام 2007 بمرور خمسمائة سنة على ميلادها، فوجدها قد وُلدت في دمشق عام 865هـ - 1460م، في عائلة برز فيها كثيرون من العلماء والمتصوفة، وأن أباها هو القاضي يوسف بن أحمد الدمشقي، وزوجها هو ابن نقيب الأشراف في دمشق أحمد بن محمد بن أبي بكر الذي ينتهي نسبه إلى سيدنا الحسين، رضي الله عنه، وأنها تتلمذت على يد كبار العلماء والمتصوفة في زمانها بمصر والشام، مثل جمال الدين إسماعيل الحوراني، ومحيي الدين الأرموي، وتبحّرت في العلوم الدينية والفكر الصوفي، فأجيزت في الإفتاء والتدريس، لتصبح مقصداً لعلماء ومتصوفة في زمانها.

راح عرفان يجمع ما بقي من كتبها فوجدها مصنّفات في الشعر والنثر، تبلغ الثلاثين كتاباً، ضاع أغلبها، وبقي منها: «در الفائض في بحر المعجزات»، و«الإشارات الخفية في المنازل العلية»، و«الفتح الحقي من منح التلقي»، و«المعجزات والخصائص النبوية»، ولها مصنّفات في الشعر، من أبرزها «الفتح المبين في مدح الأمين»، و«مولد النبي»، الذي يُعرف باسم آخر هو «المورد الأهنى في المولد الأسنى»، و«فيض الفضل» الذي يحوي ست قصائد نبوية في مدح النبي محمد، عليه السلام، و«القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع»، و«الملامح الشريفة في الآثار اللطيفة»، و«الزبُدة في تخميس البردة»، ولها «أرجوزة القول البديع» التي لخصت فيها كتاب الإمام الحافظ شمس الدين السخاوي. وقد كتبت الباعونية أغلب مؤلفاتها بخط يدها، إذ كانت صاحبة خط جميل.

زاد اندهاش عرفان حين عرف أن الغرب قد اهتم بالباعونية بينما تُهمل بين أهل لغتها ودينها، حيث ترجم لها إميل هومرين كتابها «المٌنْتَخَب في أُصُول الرُتَب في علم التصوّف» إلى اللغة الإنجليزية، وهو كتاب يرشد السائرين في مدارج الترقي الروحي، ويحدّد أربعة مبادئ في التوبة والإخلاص والذكرى والحب، ويتتبع المراحل الأساسية وحالات المبتدئين في مسيرتهم الروحية، والتي تقوم على محبة لا حدود لها لله تعالى، واحتضان البشر ومسامحتهم دون حد، ثم قال لسرحان:

حمل شعرها الكثير من هذه المعاني، فها هي تقول:

«إليها بها فيها على المدى.. حنيني ووجدي وافتضاحي ولهفتي قبيح عليَّ الصبر عنها وبيننا.. عهود نراعيها بحفظ المودّة ولهت بها حتى رموني بجنّة.. وما بي جنون، بي غرام بجنّتي غذيت بها في عالم الذر وانتشى.. على نشوتي من شربها طفل جملتي أنفت بها مني وأصبحت في الهوى.. أغار عليها أن تمر بفكرتي سقاني حميّا الحب من قبل نشأتي.. ومن قبل وجداني طربت بنشوتي دعاني هواه فاستجبت بجملتي.. إجابة من أفنى بباقي الهويّة؟»

انتبه سرحان إلى ما سمعه من شعر، ثم سأل:

ماذا عن حظها من علوم الدين؟
أجاب عرفان:

حفظت القرآن الكريم في صغرها، وتقول هي عن هذا: «كان مما أنعم الله تعالى به عليّ أنني بحمده لم أزل أتقلب في أطوار الإيجاد، في رفاهية لطائف البَرّ الجواد، إلى أن خرجت إلى هذا العالم المسجون بمظاهر تجلياته، الطافح بعجائب قدرته وبدائع آياته، المشوب مرارة بالأقدار والأكدار، الموضوع بكمال القدرة والحكمة للابتلاء والاختبار، دار ممر لا بقاء لها إلى دار القرار، فرباني اللطف الرباني في مشهد النعمة والسلامة، وغذاني بلبان مدد التوفيق لسلوك سبيل الاستقامة في بلوغ درجة التميز، أهلني الحق لقراءة كتابه العزيز، ومنّ علي بحفظه على التمام ولي من العمر ثمانية أعوام، ثم لم أزل في كنف ملاطفات اللطيف حتى بلغت درجة التكليف».


قال سرحان:

سمعت أنها أحبت دمشق.
نعم، وأنشدت فيها شعراً منه:
«نزه الطرف في دمشق ففيها.. كلما تشتهى وما تختار هي في الأرض جنة فتأمل.. كيف تجري من تحتها الأنهار كم سما في ربوعها كل قصر.. أشرقت من وجوهها الأقمار وتناغيك بينها صارخات.. خرست عن نطقها الأوتار كلها روضة وماء زلال.. وقصور مشيدة وديار».

وماذا عن أيامها في مصر؟

في سنة 919هـ جاءت الباعونية إلى القاهرة، ويقال إنها في طريقها إلى مصر فقدت جزءاً من أشعارها، لكنها واصلت إبداع الشعر بعد وصولها، وزادت مؤلفاتها ومصنفاتها، بينما تتلقى العلم في الأزهر، حتى بلغت فيه مكانة عالية، أهّلتها للإفتاء والتدريس، وذاع صيتها فأقبل عليها تلاميذ كثر يتلقون عنها الأدب والتصوف وشرح المذاهب الفقهية الأربعة، وشيئاً من السيرة النبوية والنحو.
وكانت الباعونية قد حلت بالقاهرة مع ولدها ضيفين على أبي الثناء الحلبي صاحب دواوين الإنشاء بالديار المصرية، فأكرمها، وأنزلها مع نسائه، وكانت قد مدحته بقصيدة أولها: «روى البحر أسباب العطا عن نداكم.. ونشر الصبا عن مستطاب ثناكم».

ولمَّا رأت جسر الشريعة الذي بناه السلطان الظاهر برقوق، مدحته بقصيدة مطلعها: «بنى سلطاننا برقوق جسراً.. بأمر والأنام له مطيعة مجاز في الحقيقة للبرايا.. وأمر بالمرور على الشريعة».

ومن القاهرة كانت عائشة الباعونية تقصد مكة لأداء فريضة الحج، وفي هذه التجربة الروحية كتبت شعراً أيضاً، مثل أبيات تقول:

«بشريف ذكر الواحد الخلاّق.. لذّذ فؤاداً ذاب بالأشواق وأعدد وكرِّر ذِكره يا مطربي.. وأدر سلافة حبه يا ساقي ولكم بها غابوا عن الأغيار مذ.. هاموا بها في سائر الآفاق ولكم بها ذابت قلوب فاعتدت.. تجري من الآماق والأعماق ولكم بها قد عاش بعد مماته.. حب وكم قد مات من عشّاق وإذا تضوّع نشرها في وجهةٍ.. عمّ الوجود وسائر الآفاق فمتى أنل منها رواءً موصلاً.. لفنائي في ذاك الجمال الباقي».

يقال إن لها قصائد في الغزل.

نعم، فمع قصائدها الصوفية الرائعة، كان للباعونية نصيب في الغزل، ومن أبياتها في هذا الغرض الشعري: «كأنما الخال تحت القرط في عنق.. بدا لنا من محيا جل من خلقا نجم غدا بصعود الصبح مستترا.. خلف الثريا قبيل الشمس فاحترقا».

انتهى المقام بعائشة الباعونية في دمشق، حيث عاشت آخر حياتها، وتوفيت عام 923هـ ودفنت هناك، لكن الناس اختلفوا في موضع قبرها، حتى جاء الشيخ عبد القادر المغربي عام 1933 ليتحدث عن هذا، قائلاً: «نذهب في نزهة إلى ضواحي دمشق ميممين الجسر الأبيض، ومن هناك نسلك طريق الشيخ محيي الدين الجديد مشياً على الأقدام، نصل إلى نصف الطريق فنجد على يميننا زقاقاً إلى البساتين، نسلك هذا الزقاق الذي يُسمى زقاق طاحونة الأحمر، نمر بالطاحونة المذكورة عن يميننا، ثم بساقية ماء شمالنا، ثم نقف أمام بستان فيُقال لنا: إن اسمه بستان الباعونية وأصحابه بيت الشلبي، فتخطرُ ببالنا للحال شيختنا الباعونية، ثم نمشي قليلاً حذاء البستان فنصل إلى عمارة قديمة تشبه المدرسة الصغيرة مبنية من الحجر المنحوت.. وقد كُتب على واجهتها بحروف وبخط واضح جميل العبارة: هذا مقام السيدة الباعونية رحمها الله تعالى».