ثلاث روايات صوفية (1)
عاد التصوف منهلاً للأدب العربي المعاصر، بل صار الحل المطروح لإخراج الناس من الظمأ الروحي والتردي الأخلاقي، لا سيما بعد انكشاف ما يسمى تيار «الإسلام السياسي»، فالتصوف يمتلك القدرة على الخروج من هذه الدائرة المفرغة، ودفع الأمور قدماً، لأن جوهره وبنيته وأفكاره وتاريخه يحمل سمات تساعد على هذا، ومنها:
أ- يمتلك التصوف ميراثاً لغوياً عميقاً وجزلاً، ينبو غالباً عن التفاصيل، ويرتفع فوق السياق الاجتماعى الذى أُنتج فيه، متجاوزاً الزمان والمكان، بما يجعله قابلاً للقراءة والتذوق والتفاعل معه من المختلفين في الثقافات والأديان، وقد استفاد «العبودى» في روايته من القاموس الصوفى، سواء بشكل مباشر، أو حين تأثر به وصنع لغته الخاصة.
كما يبدو التصوف أكثر رحابة أمام الدراسات الحديثة في فروع مختلفة من الإنسانيات، سواء بالنسبة للجوانب المجردة والنظرية، أو من خلال الممارسات والتطبيقات، فثراء التصوف على مستوى الشكل والمضمون، والمحسوس والحدسى، أو البرهان والعرفان، يفتح الباب على مصراعيه أمام الدارسين، في اللغة والأدب والفنون والفلسفة والاجتماع والأنثربولوجى وعلم النفس والسياسة والتاريخ وغيرها. وهذه مسألة ماثلة للأذهان وواضحة للعيان نضع أيدينا عليها إن طالعنا «ببلوجرافيا» التصوف والصوفية والمتصوفة، في لغات عدة.
ب- يقوم التصوف على تجربة روحية خالصة، لا تقف عند الاختلافات التي تفرضها شرائع الأديان، بل تتجاوزها إلى البحث عن الحقيقة، دون أن يعني ذلك التنصل من فروض وأحكام تلك الشرائع، لكنها لا تنظر إليها بوصفها نهاية المطاف من الدين والتدين، بل هي مجرد وسائل لاستلهام الينابيع البعيدة للإيمان.
ج- ينطلق التصوف من الإلهي إلى الإنسانى، ولا يلزم نفسه بالإغراق في التفاصيل والإجراءات التي يحفل بها الفقه واللاهوت والتقاليد والتدوينات الظاهرية لسير الأنبياء والصحابة والتابعين في الإسلام، والحواريين والقديسين في المسيحية، والأحبار والكهنة في اليهودية، فمثل هذا هو ما فرق بين أتباع الأديان رغم وحدة أصلها ومنبعها، وفتح باباً وسيعاً لطغيان البشرى على الإلهى، والتقول على الوحى، ونسب إليه ما ليس منه ولا فيه ولا عنه. ومن ثم لا يملك غير التصوف قدرة على تقريب المختلفين في العقائد والمذاهب.
د- ينطوى التصوف على العديد من القيم العليا النبيلة التي يحتاج إليها الناس في كل زمان ومكان، مثل المحبة والتسامح والرضاء، وهي تصلح أن تكون أحجاراً قوية لبناء جسر متين بين أتباع الديانات والثقافات والحضارات، وهي قيم كان نص أدهم العبودى يأتى على استعراض مظاهرها ولو بطريقة غير مباشرة، وهو ما يفرضه الفن.
ويمكننى في هذا المضمار أن أقدم ثلاثة نماذج لتأثير التصوف والصوفية في الأدب، من خلال ثلاث روايات، الأولى هي رواية «حكاية فخرانى» لمحمد موافى، والتي حضر فيها التصوف جنباً إلى جنب مع التاريخ واللغة أو البيان الباذخ. ورواية «حارس العشق الإلهى» لأدهم العبودى، التي تحتفي أيضاً باللغة وتصنع تاريخاً موازياً إلى جانب بعدها الصوفي الظاهر. ورواية «كيميا» لوليد علاء الدين وهي عن المنسى والمأخوذ على جلال الدين الرومى.
وبالنسبة للرواية الأولى، فهي تحتاج إلى يقظة تامة من قارئها، حتى يستطيع أن يستخلص الحكاية الذائبة في بحر مديد من لغة عميقة، تلفت الانتباه لذاتها، حيث تنهل من قاموس ثرى، وتصنع صوراً تستحق التوقف عندها، ولا تكل ولا تمل في بث الحكمة، أو تقديم النصائح، ومشاكسة التاريخ كى يقدم خلاصاته بلا مواربة ولا التواء أحياناً.
كما أن على القارئ أن يتنبه إلى مغزى الارتحال في الزمن بين ما يجرى الآن وما جرى في زمان مضى يمتد عدة قرون واصلاً جانباً من التاريخ الاجتماعى والسياسى لمصر، لكنه لا يطغى على الروح الأصلية والأساسية للرواية المتمثلة في التصوف بكل ما يعنيه من غموض آسر، ولغة شاعرية، وفيوض روحانية، وتحليق في البعيد، كما لا يجور اللعب مع الزمن كثيراً على الهدف الذى حدده الكاتب/ الراوى لهذا النص حين قال: «الذى جعلنى أستمر، هو أننى ما اخترت رواية الحكايات، بل هي التي اختارتنى، واجتمعت لدىّ. قلت: لو اخترت طريقاً فاصبر، وإذا اختارك طريق، فاركب ظهر فرس أحلامك، والإشارة ساطعة، لا تغنى عنها كلمة، ولا ألف عبارة».
تحكى الرواية عن «زين الدين» الذى يقول عن نفسه: «ورثت الحكمة كابراً عن كابر، وذقت الشفافية وارثاً عن وارث، وصحبنى الشك في العقل ناقلاً عن ناقل»، وهي قدرات عقلية ونفسية دفعته إلى السعى وراء سيرة جده الكبير «المهدى الفخرانى»، فأتى من أسيوط في صعيد مصر إلى القاهرة طالباً مخطوطاً باسم «سماع المعلم لروح يتكلم»، وحين يشرع في تدوينه تتهادى أمامه سيرة الشيخ الأكبر محيى الدين بن عربى، بما تنطوى عليه من أسرار روحانية، ومعانٍ عميقة، تنثال من قريحته الوقادة، ووجدانه العامر بالروحانيات الخالدة، وهنا تتداخل السيرتان، وتتبادلان المواقع والمواضع والأدوار، ساعيتين معاً إلى بناء حكاية تتهادى على مهل، عبر سرد يبنى بتؤدة، إذ يتوقف الكاتب عن كل حال ومقام ليبث لنا ما يجول بخاطر راويه، الذى يتماهي كثيراً مع الكاتب نفسه، فنعرف الكثير عنه، بقدر ما نعرف عن أبطاله، وعن السيرتين الممتزجتين في حنايا روايته.
فمنذ أن تبدأ الرواية بعبارة: «لولا رغبتى في انتشال روحى ما أزحت أنفي عن كفى» وحتى تنتهي بعبارة: «اليوم أطرد كل وهم وأعترف بالحقيقة، فما الراوى إلا أنا، وما أنا إلا الراوى» ونحن في توقف دائم مع الكاتب/ الراوى، لنعرف رأيه في الشخوص والأشياء والحوادث والوقائع والآراء والأفكار، وهي مسألة كان بوسعه أن يتركها لشخصيات روايته، كى تعبر عن نفسها بحرية، تتحاور وتصف وتتعارك وتتأمل وتبوح وترفض وتعانى وتهنأ، لترسم ملامح الحكاية أو تشيد بنيانها، عبر الأبواب السبعة التي قسم الكاتب روايته عليها وأعطاها بالتتابع عناوين (صليب/ إشارات/ شهوة/ قلب/ عبدالصمد/ القبة/ الحياة) وسبق كل كلمة من هؤلاء بكلمة «بوابة»، وهو تقسيم لم يأتِ اعتباطاً، إذ إن كل عنوان يجمل ما تحته، أو يمثل بؤرة حكايته.
فالكاتب يتوقف طويلاً في لحظات تأمل لكل ما حوله، وبعض ما وقع في التاريخ، فيستجلى العظات والعبر، ويستخلص الحكمة، ويسقط الماضى على الحاضر، ويجعل من كل هذا ما يخدم مسار البحث عن الحقيقة العميقة للوجود، وعن مكابدات الإنسان، وأشواقه الدائمة من أجل الامتلاء الروحى والتحرر من القيود، والتسامى على الصغائر. يفعل هذا بنفسه، قابضاً على السرد بيد من حديد، توقن بأن ما تستعيره وتقطفه من كلمات جزلة، راسخة في بطون كتب التصوف ومعاجمه، قادرة وحدها على أن تصنع هذا النص الذى لا يعطى نفسه لمن يطالعه بلا جهد وعناية، وقد يحتاج منه إلى أن يكون قد مر يوماً على كتب المتصوفة، أو لديه طرف من خبر بعض وقائع التاريخ الأوسط والحديث والمعاصر.
وينهل الكاتب في هذه الناحية من تجربته الذاتية، فهو صاحب دراسات سابقة في التصوف واللغة، وله ديوان شعر وحيد، فضلاً عن عمله بالإعلام، الذى يعرف كل من يسمعه عبر الإذاعة أو يراه على الشاشة أنه ذرب اللسان، يحتفي باللغة، ويحرص على سلامة النطق، وهي مسألة صاحبته أيضاً في روايته السابقة «سفر الشتات»، كما أنه ابن رجل يصفه بأنه «روح خف لها جسد، فعاف النوم، ولم تألفه الأحقاد.. أنامل الذهب، وجبهة التجليات، ودولاب الحكايات»، وذلك في معرض إهدائه الرواية له.
ويتخلى الكاتب أحياناً عن هذا لأبطاله، فيروى «زين الدين» و«المهدى» بل يروى ابن عربى نفسه، وهو ما يظهر في أجلى صورة في تلك العبارة التي يقول فيها الشيخ الأكبر داخلاً في مجرى السرد والحوار: «لعلك مررت في الفتوحات بحكايتى مع المسيح عليه السلام، الذى رأيته في فتوتى وبمناماتى، ولم ينبت وقتها بوجهي شعر، فعاتبنى على اللهو، وفي الصباح كنت أقرأ عن فضل الشام وخير دمشق، فقلت: إن الإشارات تعبر عن الرؤى. فأضمرت وجهتى من يوم خروجى قبل سنوات من الأندلس فقصدت بيت الله الحرام لأؤدى الفريضة، وفي قلبى تنبض دمشق، حيث ينزل عيسى على مئذنة الجامع الأموى».
لكن الارتحال في ثلاثة أزمنة، تستغرق عدة قرون، والتطواف في عدة أمكنة، الذى يكون متبوعاً بالوصف والتأمل، ووصل البعيد بالقريب من حوادث التاريخ، يخفف من طغيان حضور الكاتب، ومن وطأة عمق النص عن قارئ هذه الرواية، ويمنحه متعة وفائدة في آن، المتعة قد تكون في الحكايات التاريخية الصغيرة التي تتوالد على ضفاف الحكاية الأصلية، لا سيما مع وجود أسماء لأعلام سياسية كبرى في التاريخ المصرى مثل محمد على باشا والرئيس الأسبق أنور السادات، والفائدة في تأملات الكاتب لهذه الأحداث، واستخلاصه منها ما ينفع في فهم ما يجرى الآن، وكذلك في تناوله لجانب من التاريخ الاجتماعى لمصر، الذى يهبط من القصور والقلاع ليمشى بين الناس في الأزقة والحوارى ويتوقف عند الحقول والحوانيت والورش، يردد أغانيهم وأناشيدهم وأمثالهم وتعبيراتهم.