القوة الناعمة.. ودراما التصدي للعدو (2)

توقفت فى مقالى السابق أمام دراما مواجهة العدو الخارجى، التى جسَّدها مسلسل «صحاب الأرض»، وفى هذا المقال نتحدث عن موضوع لا يقل خطورة: العدو الذى حاول أن ينخر فى الداخل، وأن يعيد تشكيل الدولة بهدم مؤسساتها. هنا يأتى مسلسل «رأس الأفعى» بوصفه حلقة جديدة فى سلسلة المواجهة الدرامية مع جماعة الإخوان، وتجسيداً لاستمرار معركة الوعى التى تخوضها الدولة المصرية منذ سنوات.


يحمل عنوان العمل دلالة مباشرة؛ فهو الاسم الحركى الذى أطلقه الأمن المصرى على القيادى الإخوانى محمود عزت، أحد أبرز العقول التنظيمية للجماعة. اختيار الاسم ليس تفصيلاً شكلياً، بل رسالة درامية واضحة: المواجهة ليست مع أفراد عابرين، بل مع بنية فكرية وتنظيمية ممتدة، ذات جذور عميقة وقدرة على التخفى وإعادة التموضع.

الدراما المصرية لم تدخل هذه المعركة متأخرة، بل خاضت جولات متتابعة فى تفكيك خطاب الجماعة وكشف آليات عملها. كان من أبرز المحطات مسلسل «الجماعة» بجزأيه للكاتب للراحل وحيد حامد، الذى قدم قراءة درامية لتاريخ التأسيس والبنية الفكرية، ثم توالت الأعمال التى اشتبكت مع اللحظة الأمنية والسياسية الراهنة، وفى مقدمتها مسلسل «الاختيار» بأجزائهما الثلاثة. هذه الأعمال لم تكتفِ بسرد بطولات أمنية، بل رسمت خريطة العلاقات المعقدة بين التنظيم وأذرعه، وكشفت مستويات التشابك الداخلى والخارجى، وأضاءت أبعاد مشروع استهدف إسقاط الدولة الوطنية.

«رأس الأفعى» يأتى ليكمل هذا المسار، لا بوصفه تكراراً، بل بوصفه تعميقاً. فالمعركة مع جماعة تأسست عام 1928 ليست مواجهة عابرة، بل صراع ممتد مع خطاب دينى مسيّس استطاع عبر عقود أن ينسج شبكات اجتماعية وتعليمية وخيرية مكّنته من التأثير فى قطاعات من المجتمع. ومن هنا تبرز أهمية الاستمرار الدرامى؛ فخطر الأفكار لا ينتهى بسقوط قيادة أو تفكيك تنظيم، بل يظل قائماً ما بقيت الرواية البديلة حاضرة فى الوعى.

لقد حصدت مصر خلال السنوات الماضية نتائج مهمة فى هذه المواجهة، سياسياً وأمنياً وإقليمياً. التحركات الدولية الأخيرة، سواء فى اتجاهات الملاحقة القانونية فى بعض الدوائر الأوروبية والتشدد تجاه أنشطة التنظيم، والقرارات الأمريكية الأخيرة التى تضيق الخناق على الجماعة، كلها جاءت امتداداً لحراك عربى انطلق من القاهرة، ثم لحقت به دول مثل السعودية والإمارات، فيما تبدو ملامح مراجعات جارية فى ساحات أخرى. كما شكّل القرار الأردنى فى العام الماضى بحظر نشاط الجماعة صفعة سياسية عززت مناخ العزلة الإقليمية والدولية.

غير أن السؤال الجوهرى يظل قائماً: إلى أى مدى نجحت الدراما فى تحقيق أهدافها؟ يمكن القول إن النجاح تحقق على ثلاثة مستويات. أولاً، على مستوى كسر الهالة الرمزية التى أحاطت بها الجماعة نفسها لعقود، عبر تقديم قياداتها وشبكاتها باعتبارها كيانات بشرية قابلة للنقد والمساءلة، لا تنظيماً فوق التاريخ. ثانياً، على مستوى توثيق لحظة مفصلية فى تاريخ الدولة المصرية، ومنع إعادة تدوير سرديات التبرير أو التجميل. وثالثاً، على مستوى ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية باعتبارها الإطار الحامى للتنوع والاستقرار فى مواجهة مشاريع عابرة للحدود.
ومع ذلك، يبقى ما ينقصنا واضحاً. فالمواجهة الدرامية تحتاج إلى تعميق البعد الفكرى، لا الاكتفاء بالشق الأمنى. لا يكفى كشف المخططات، بل يجب أيضاً تفكيك المنطلقات النظرية التى استندت إليها، وطرح بدائل فكرية جاذبة للشباب، قادرة على ملء الفراغ الذى تستثمر فيه التنظيمات المؤدلجة. كما أن تطوير أدوات السرد، والابتعاد عن التبسيط أو النمطية، يمنح الأعمال مصداقية أكبر وتأثيراً أوسع، خاصة فى الفضاء العربى.
الدراما، فى النهاية، ليست أداة انتقام، بل أداة وعى. استمرارها فى كشف تاريخ الجماعة وفضح تناقضاتها ليس ترفاً ولا إصراراً على نبش الماضى، بل إدراك بأن خطر التنظيمات المؤدلجة لا يموت تلقائياً، وأن نسيان الجرائم يفتح الباب لإعادة إنتاجها.
فإذا كان «صحاب الأرض» قد جسّد معركة تثبيت الرواية فى مواجهة عدو يستهدف الأرض، فإن «رأس الأفعى» يجسد معركة حماية الدولة من فكر حاول أن يختطفها.
وهكذا تكتمل صورة «دراما التصدى للعدو» بين جبهتين: خارجية تحمى الوعى القومى، وداخلية تحصّن الدولة الوطنية. وفى الحالتين، تبقى القوة الناعمة المصرية إحدى أهم أدوات الصمود والبقاء.