أمجد مصطفى يكتب: لماذا «رأس الأفعى» الآن؟

كتب: محرر

أمجد مصطفى يكتب: لماذا «رأس الأفعى» الآن؟

أمجد مصطفى يكتب: لماذا «رأس الأفعى» الآن؟

لا يبدو الخوف الذي تبديه جماعة الإخوان من عرض مسلسل «رأس الأفعى» أمراً مفاجئاً، فالأعمال الدرامية الكبرى التي تؤرِّخ لمرحلةٍ ما لا تُقلق إلا مَن يملك تاريخاً أسود يخشى ظهوره إلى العلن. المسلسل لا يكتفي بسرد حكاية درامية مشوِّقة، بل يفتح ملفات شائكة تتصل بسنوات مضطربة عاشتها مصر وقت وجود الإخوان في المشهد، حين اختلط العنف بالفوضى، وتحولت الشوارع إلى مسارح لعمليات تفجير واغتيال حاولت النَّيْل من استقرار الدولة والمجتمع على يد هذه الجماعة المحظورة.

جوهر الحكاية في المسلسل يدور حول شخصية محمود عزت بوصفه العقل المدبر الذي ظل لسنوات يعمل في الظل، محركاً خيوط تنظيمات مسلحة وأجنحة عنيفة ظهرت في توقيت واحد تقريباً، ونشرت الخوف بين المواطنين خلال الفترة التي أعقبت ثورة الشعب في 30 يونيو. ومن هنا تأتي أهمية التوقيت؛ فاستعادة هذه الوقائع درامياً ليست استدعاءً للماضي بقدر ما هي محاولة لحماية الذاكرة الوطنية من النسيان، وتذكير الأجيال الجديدة بما جرى حتى لا تتكرر الأخطاء نفسها.

الدراما هنا لا تقوم بدور توثيقي جامد، بل تمارس أحد أهم أدوار القوة الناعمة: تحويل الألم إلى وعي. فالمجتمعات التي تنسى تاريخ العنف تكون أكثر عرضة لعودته في صور مختلفة. لذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا يُعرض «رأس الأفعى» الآن؟ بل: لماذا تأخر كل هذا الوقت؟ إن كشف المخططات، وشرح السياقات، وإبراز تضحيات الدولة والمجتمع، كلها عناصر ضرورية لبناء حصانة فكرية لدى الجمهور.

على المستوى الفني، يستند المسلسل إلى فريق يمتلك خبرة واضحة في تقديم الدراما الوطنية. حضور أمير كرارة في دور ضابط الأمن الوطني يعيد إلى الأذهان نجاحه السابق في تقديم شخصية بطولية واقعية، مثل شخصية «المنسي» في مسلسل «الاختيار 1»، أحد الأعمال التي جسدت بطولات الجيش المصري. بينما يمنح أداء شريف منير لشخصية محمود عزت بُعداً مركباً يكشف طبيعة شخصية تعيش من أجل نشر الشر. هذه الثنائية بين البطل والخصم تُثري البناء الدرامي وتمنح المشاهد مساحة للتأمل لا مجرد التلقي.

ولا يمكن إغفال البعد الموسيقي الذي شكَّله حضور الموسيقار الكبير ياسر عبدالرحمن بصياغته الوجدانية المعتادة، والتي تمنح كل مشهد تأثيراً نفسياً وعمقاً يخدم الصورة ويصل بالملتقى إلى أقصى درجات الإحساس، إلى جانب صوت المطرب الكبير علي الحجار بتأثيره الدرامي، في أغنية الختام «يا مصر يا بلادي»، من تأليف طارق ثابت، حيث تتحول الموسيقى إلى مساحة عاطفية تختصر الرحلة كلها: ألم، وصمود، ثم أمل. هذا التكامل بين الصورة والصوت يعزز تأثير الرسالة ويجعلها أكثر رسوخاً في وجدان الجمهور.

ولا ننسى فريق العمل: ماجدة زكي صاحبة الحضور الطاغي، أحمد غزي، كارولين عزمي، مراد مكرم، إسلام جمال، إلى جانب تأليف هاني سرحان، وإخراج محمد بكير.

يبقى أن نقول إن مواجهة الأفكار المتطرفة لا تكون فقط بالأدوات التقليدية، بل بالوعي والثقافة والفن. فالعمل الدرامي الجيد قادر على الوصول إلى مناطق لا تصلها الخطب أو البيانات، لأنه يخاطب الإنسان عبر الحكاية والمشاعر. ومن هذه الزاوية، يصبح «رأس الأفعى» أكثر من مجرد مسلسل؛ إنه محاولة لاستعادة الوعي الجمعي، وتأكيد أن حماية الوطن تبدأ بحماية ذاكرته.

لهذا كله، يبدو عرض المسلسل في هذا التوقيت فعلاً طبيعياً وضرورياً، ليس لإثارة الخوف، بل لإغلاق أبواب النسيان. فالأوطان التي تتذكر جيداً تبقى أكثر قدرة على صناعة المستقبل.

«رأس الأفعى» ليس حكاية من الماضي، بل رسالة تذكرنا بما فعلته تلك الجماعة المحظورة التي سلكت مساراً من الصدام والعنف لإرهاق الدولة وإرباكها، والانتقام من شعب قال كلمته في «30 يونيو». وكما جاء على لسان شخصية محمود عزت في أحد المشاهد: «يستاهلوا»، في تعبير درامي يكشف حجم القسوة التي حكمت هذا التفكير.

المسلسل يضع المشاهد أمام مشروعٍ خُطِّط لهدم الدولة ظل يعمل في الظلام، وتفرعت عنه مجموعات حاولت العبث بأمن الوطن والمواطن. إنه رصد واقعي لأهل الشر.

وفي النهاية، تحية إلى الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية التي اختارت أن تخوض معركة الوعي عبر الدراما.