الرأي العام وفرصة رمضان
منذ تشكيل الحكومة الجديدة، وعبارة «الرأي العام» تتكرر كثيراً. الرأي العام دأب في السنوات الماضية على تكرار العبارة، تارة بحنين واشتياق، وأخرى باستياء وعدم ارتياح. هذا ليس جديداً. الجديد أن الحكومة نفسها، ممثلة في رئيس الوزراء المحترم الدكتور مصطفى مدبولي، تشير إلى الرأي العام كثيراً منذ خروجها إلى نور التشكيل الجديد. ليس هذا فقط، بل تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي عن الرأي العام بشكل واضح وصريح.
الرئيس كلف الحكومة الجديدة إيلاء كل الأهمية للرأي العام، وتبصرته بصفة مستمرة بالحقائق. والحقيقة الكبرى تكمن في أن الحقائق تشكل عماد الرأي العام في أي دولة، ومعها السياسات والإجراءات والأولويات، وجميعها يخضع للنقاش والاتفاق والاختلاف، ولكن «تبصرة الرأي العام» هي الأساس.
ولو لم تتم تبصرته، فإنه يقوم بتبصير نفسه عبر أدوات ومنصات مختلفة، «وياصابت ياخابت»، وللأسف كثيراً ما تخيب في عصر السوشيال ميديا، وتحول الصفحات والحسابات إلى أسلحة شديدة فتاكة يستخدمها كل من هب ودب، دون شرط الإفصاح عن الغاية، أو الكشف عن ماهية ما يجري تداوله من محتوى، وإن كان حقائق أم شائعات أم خليطاً من المغالطة والتضليل.
وعودة إلى الرأي العام، ودور الحكومات في تشكيل الرأي العام، لا توجيهه، إلا في حالات الحرب أو في مسائل تتعلق بالتوعية بأمور الصحة أو أهمية التعليم أو غيرها.
دور الحكومات في الرأي العام مزدوجاً، وفيه تناقض صعب إلى حد كبير، وهو ما يحتاج حنكة وذكاءً ومهنية في التعامل. الحكومة تشكل الرأي العام من خلال التواصل والسياسات الفعالة والإجراءات التي تصب في صالح المواطن. في الوقت نفسه، الرأي العام أداة رقابية على الحكومة وأدائها. يسائلها، وينتقدها، ويطالب بالمزيد، والقائمة معروفة.
لهذا تصر دول عدة على قياس الرأي العام باستمرار. مقدار الرضا أو عدم الرضا، حجم تأييد سياسة ما أو الاعتراض عليها، تقييم عمل وزارة أو جهة ما، ترتيب المشكلات التي تعاني منها الأغلبية، قياس الطموحات، التعرف إلى المصاعب، درجة الاستفادة من خط باص أو مترو جديد، درجة الاهتمام بالسياسات الخارجية أو الأوضاع الإقليمية، وغيرها الكثير من الأمور التي تقيسها استطلاعات الرأي العام.
الغرض من القياس؟ المعرفة، ومن ثم سن السياسات وتصحيح ما يمكن تصحيحه وشرح ما يبدو أنه غير معروف أو غامض أو تشوهه الشائعات.
ليست مبالغة لو قلنا أن الرأي العام، وطرق العامل معه باحترافية وذكاء، قادر على أن يكون سنداً للسياسات وضمانة للنجاح، أو أن يكون العكس. لذلك، اعتباره هامشياً، أو غير ذي أهمية، أو تأجيل التعامل معه له آثار خطيرة على الجميع.
والرأي العام لا يستنبط بتعليقات السوشيال ميديا فقط، ولا يستشرف بما يحكيه الأصدقاء ويتداوله الأقارب فقط. الرأي العام علم له أصول وقواعد ومعايير حاكمة. وتبصرته بما يجري من جهود من الحكومة والمسؤولين أمر بالغ الأهمية. وتبصرة الحكومة والمسؤولين بما يدور في الرأي العام أمر بالغ الحيوية. الرأي العام طريق اتجاهين، لا اتجاه واحد فقط، وهذا سر روعته.
وعلى ذكر الروعة، أقول إن شهر رمضان رائع. فبالإضافة إلى روحانياته وأجوائه شديدة الجمال، فهو يتيح لمن يرغب الفرصة للتأمل والتفكر. الملايين حريصة على الصيام والصلاة وإخراج الصدقات والتعاطف مع الأقل حظاً، وكثيرون يبذلون ضعف المجهود في العمل خلال الشهر، وقائمة الروعة تطول.
في الوقت نفسه، أجد بلع وهضم وفهم أن نفس هؤلاء البشر الرائعين الروحانيين الملتزمين المتعاطفين المجتهدين هم يمن يشاركون في تحويل شوارعنا إلى فوضى عارمة، سواء في القيادة أو احتلال الأرصفة أو إلقاء القمامة أو تشويه الواجهات، والقائمة أيضاً تطول.
ماذا لو وجه المشايخ والدعاة ورجال الدين جزءاً من جهودهم في الخطابة والأحاديث والدروس الدينية للمعاملات والسلوكيات والأخلاق والحريات واحترام حقوق الآخرين وعدم التعدي عليهم ولو بفرض قبح الألوان والواجهات والأصوات العالية واحتلال الأرصفة؟ أليست الأخلاق جزءاً من الدين؟
التركيز على قطرة العين التي تفطر، وهل يقبل صوم النصاب والأفاق، وهل يجوز للمرأة أن تصلي واصابع قدمها ظاهرة، والأدهى من ذلك، جديد هذا العام: هل يجوز تبادل التهاني بقدوم شهر رمضان بقول: رمضان مبارك؟ أفضت بنا إلى أين؟
أليس الشارع واجهة لنا؟ أليست سلوكياتنا ودرجة نظافتنا واحترامنا لحقوق الآخرين مرآة لأخلاقنا؟ أليست السلوكيات والأخلاق متصلة بالدين؟ أم أن هذه نقرة وتلك أخرى؟
ولا يمكن الحديث عن رمضان هذا العام دون الإشارة إلى إقبال غير مسبوق من شتى فئات وطبقات المصريين على زينة رمضان وفوانيسه. صحيح أن الأنوار «الليد» غزت كل فج عميق، ولكنها مثيرة للبهجة، والأهم حرص الكبار والصغار على الاحتفال المبهج، معضداً بأغاني رمضان وموسيقاه الجميلة الرائعة. عاشت مصر متنورة متفتحة محبة للدين والفن والموسيقى والإيمان، وليكن رمضان فرصة لتكثيف الدعاء لزوال غمة الرجعية وكربة الفوضى والعشوائية، قادر يا كريم.