«على كلاي».. مسلسل يعرف نفسه وجمهوره!

عصام زكريا

عصام زكريا

كاتب صحفي

«على كلاي» هو نموذج للميلودراما الشعبية المصرية في أزهى صورها. ميلودراما صاخبة النبرة، فاقعة الألوان، فجة المشاعر، تموج بالمبالغات الخيالية الجامحة، بنبل وبطولة أنصاف الآلهة، وخسة ووضاعة أنصاف البشر. ولا عجب أن يقبل عليها الجمهور العريض البسيط متفاعلاً ومنفعلاً، يتعاطف ويتماهى مع بطلها الذي يجسد الجرح النرجسي الأبدي، ويسقط كرهه وعنفه على الأشرار عديمي الأخلاق.

«على»، الذي يطلقون عليه «على كلاي»، تيّمناً بأسطورة الملاكمة الأكبر، الذي يؤدي شخصيته أحمد العوضي، هو امتداد لأبطال السير والميلودرامات الشعبية الكلاسيكية، من حورس، ويوسف الصديق، وعنتر بن شداد، وأبوزيد الهلالي، وسيف بن ذي يزن، وسعد اليتيم.. وحتى عبدالحليم حافظ وما بعده: ابن بار غير معروف النسب، يسعى لإثبات بنوته لأبيه وجدارته باسمه، متعرضاً ومحتملًا لمهانات الأعداء وإهانات الإخوة ونشوز الزوجات ومحن الزمن، في صبر وجلد العمالقة. إنه يضحي في سبيل أشقائه وزوجته، ولكنهم ناكرون للجميل، متآمرون، وخونة أحياناً، باستثناء أخ واحد صغير، ربّاه ورعاه «على كلاي»، فثمر فيه المعروف! يخوض «كلاي» المعارك وينتصر على قوى الشر المجتمعة، ولكن هدف رحلته الأسمى والأوحد هو نيل بركة الأب واسمه، والوصال بالحبيبة البريئة المقدسة التي تعكس صورته كما في مرآة.

الأغاني الحزينة التي تدور حول ظلم الأيام وضربات الزمن وخيانات الأصحاب والأقارب هي جزء أصيل من هذه الميلودراما، زادت حدة شكوتها ونواحها خلال السنوات الماضية، واكتست بعنف في الصور وخشونة في الألفاظ يمكن أن يلاحظها، وينزعج منها، أو يبتسم من مبالغاتها أي مستمع.

ومن الطريف أن يتعرض بطلنا في كل حلقة إلى أسوأ أنواع الاتهامات التي يفزع منها الرجل الشرقي الأصيل؛ من وصمه باللقيط وابن الحرام، إلى وصفه بالعقيم العاجز، وبطلنا يحتمل كل هذا بصبر أيوب، رغم أنه أشرف الشرفاء وأرجل الرجال. وهو موقف يخاطب إحساس كل شرقي بذكورته التي يشعر أنها مطلقة وهشة في الوقت نفسه.

يضاف إلى هذه التركيبة الكلاسيكية للميلودراما الشعبية تنفيذ معارك متطور، على الطريقة الهوليوودية، يثبت من خلاله البطل، والنجم الذي يؤدي دور البطل، قوته ومهارته البدنية المثيرة للإعجاب. يمثل بطلنا صورة للفحل مفتول العضلات يتماهى معها جمهوره من الشباب والرجال، وتفتن بها فتيات ونساء، يرون أن الرجولة تكمن في العضلات والشوارب وطريقة الكلام الفظة، الممتلئة بالتنغيم والتلوين والتلاعب بالألفاظ. بطلنا الميلودرامي فصيح: شاعر أو مغنٍ أو صانع قافية!

ومن مميزات «على كلاي» نجاح مؤلف العمل، محمود حمدان، في نسج كثير من الخيوط والأحداث، بحيث لا تخلو كل حلقة «حتى الآن، بعد مرور أسبوع» من مواقف مثيرة تتراوح من القتل ومحاولات القتل وحتى المعارك الكبيرة والصغيرة التي لا تخلو منها حلقة. وقد وصلت الجرأة بصناع العمل إلى حد التضحية بطفل صغير «شقيق البطلة الطيبة» يروح ضحية إحدى هذه المعارك. كما وصلت بهم إلى تقديم شخصية شقيقها الأكبر «يؤديها عصام السقا» تتجسد فيها كل أنواع الندالة والخسة.

من بين كل أعمال رمضان 2026 التي شاهدتها «والحكم على أول ست أو سبع حلقات فحسب، ولا يشمل بالضرورة الحلقات القادمة»، فإن «على كلاي» هو الأفضل كتابةً، رغم قالبه الميلودرامي سيئ السمعة، بفضل خطوطه جيدة التشبيك، وأحداثه القوية المتلاحقة، وشخصياته النمطية البارزة.

«على كلاي» هو طبق شعبي حريف يمتلئ بالبهارات والدسم والكوليسترول، وهو بالتأكيد لا يناسب الجميع، وقد يكون فوق احتمال كثيرين. ولكن حين نقيمه بمقاييس الميلودراما والمزاج الشعبي، يمكن أن نرى بوضوح أنه عمل يعرف نوعه وجمهوره وذوق هذا الجمهور.