القاهرة الإسلامية

التجول بشوارع القاهرة الإسلامية عادة محببة أمارسها دوماً، وبخاصة في أيام وليالي الشهر الفضيل، فمن حي السيدة زينب، رضي الله عنها وأرضاها، حفيدة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، تبدأ الجولة بزيارة مسجد السيدة زينب، ثم تتوالى الجولة إلى مسجد أحمد بن طولون، حيث طريق مسجد ابن طولون وطريق الأشراف، أهل بيت النبوة، ومنه إلى مسجد السيدة نفيسة، رضي الله عنها وأرضاها، وأحياناً تتعدل الجولة أو تتغير بداياتها ونهاياتها، حسب الظروف، وتتضمن الجولة في بعض الأحيان شارع محمد علي، والمرور بجوار مسجدي السلطان حسن والرفاعي وشارع محمد علي.

الجولة في القاهرة الإسلامية تتسع كذلك لتشمل الجانب الآخر من المنطقة، شمال شارع الأزهر، حيث مسجد سيدنا الحسين رضي الله عنه، وشارع المعز لدين الله الفاطمي، ومناطق الجمالية وباب الفتوح والحسينية وباب الشعرية وميدان الجيش.

التجول بهذه المناطق له رحيق ومذاق خاص، هناك أشتم رائحة لا مثيل لها، ولا مبرر لها في مخيلتي، لا أعرف لها سبباً واضحاً أو تركيبة، يمكن أن تتكرر إذا أردنا نقلها لأماكن أخرى.

الناس هناك لهم أنماط وطبائع خاصة، أو هكذا يبدو لي، فرغم الزحام الشديد وتكدس المركبات المختلفة من أول التوك توك إلى أفخر وأغلى السيارات وما بينهما، إلا أن المشاجرات والخناقات المعتادة في مختلف أحياء القاهرة والمدن الكبرى، على أولوية المرور تكاد تكون منعدمة في شوارع وميادين القاهرة الإسلامية، أنا لا أراها أو أروج لها كمدينة فاضلة خالية من المشكلات أو التجاوزات، ولكني أسجل ملاحظات أراها في أوقات مختلفة حين أتجول في تلك المنطقة، أنوه إلى أني أتصور للحظات أن كل الموجودين في منطقة القاهرة الإسلامية أقارب أو معارف أو لديهم علاقات خاصة، ولديهم سبل مختلفة في التفاهم، تجعلهم حتى عند الزحام الشديد والتكدس المروري يتفاهمون بالنظرات والإشارات.

نكهة الأطعمة والمأكولات في تلك المنطقة أراها مختلفة، أو هكذا يبدو لي، وبخاصة الموروثات من هذه النوعيات، فرغم أن منافذ بيع الطرشي البلدي انتشرت في مختلف المناطق المستحدثة أو الجديدة، إلا أن الطرشي البلدي على سبيل المثال وليس الحصر، له طعم مختلف في منافذ بيعه في منطقة القاهرة الإسلامية، كذلك الكنافة والقطائف المصنعة يدوياً، لا تزال هناك بنكهة وطعم مميز، ورائحة تسويتها عبر الأدوات اليدوية لا مثيل لها، كذلك الخبز البلدي الذي يتم تصنيعه في المخابز العتيقة القائمة من سنوات طوال، تختلف كلياً في شكلها وحجمها وطعمها.

أسواق الخضر والفاكهة في القاهرة الإسلامية تتميز وتختلف أيضاً عن مثيلاتها في المناطق الحديثة النشأة أو المستحدثة.

الظاهرة الأكثر لفتاً في غالبية شوارع القاهرة الإسلامية، موائد الرحمن في صورة غاية في الروعة للتكافل الاجتماعي بين الجميع هناك، فلا يخلو شارع من مائدة من هذه الموائد، وبأحجام ومساحات مختلفة، فمنها مكونة من بضع عشرات من الموائد والمقاعد، ومنها ما يضم المئات، وإلى جوار كل مائدة من هذه الموائد، تلاحظ وبعد أداء صلاة العصر، وجود فرق مختلفة من الناس من معدي ومجهزي الإفطار لعابري السبيل والمحتاجين.

اللحظات السابقة على انطلاق أذان المغرب لها مذاق خاص في تلك المنطقة، وكذلك مظاهر مختلفة، فتجد، وعلى العديد من النواصي والتقاطعات بين الشوارع وخاصة الرئيسية، مجموعات من الشباب يجهزون المياه والمثلجات لتوزيعها على من يتصادف مروره وقت أذان المغرب.

الشاهد أن القاهرة الإسلامية كمدينة أو منطقة لها خصوصية ومذاق مختلف عما عداها من مناطق أكثر حداثة وتطوراً، وخاصة في شهر رمضان المبارك.