علي الفاتح يكتب: رائحة المقاومة تُعطّر أجواء الشرق الأوسط
علي الفاتح يكتب: رائحة المقاومة تُعطّر أجواء الشرق الأوسط
حديث رئيس حكومة اليمين الصهيوني المتطرف بنيامين نتنياهو عن تشكيل محور جديد يضم الهند ودولاً عربية وآسيوية وأفريقية، ضد ما وصفه بالتحالف الشيعي المنهار، والتحالف السني الآخذ في التشكل، يأتي غير منفصل عن تصريح سفير الولايات المتحدة لدى الكيان الصهيوني مايك هاكابي حول حق الكيان في احتلال المزيد من أراضي الشرق الأوسط وفق الخرافات التوراتية.
تعاقب التصريحين جعل التساؤل حول الهدف الحقيقي من الحشد العسكري الأمريكي الهائل في الشرق الأوسط، وأنه يتجاوز القضاء على النظام الإيراني مطروحاً وبقوة لدى أكثرية من المراقبين والمحللين!
صحيح أن المتحدث الرسمي باسم سفارة الولايات المتحدة في الكيان الصهيوني حاول تجميل تصريحات هاكابي بالقول إنها اجتزئت من سياقها، إلا أنه لم ينفها، لافتاً إلى أن الكيان الصهيوني لا يسعى الآن للسيطرة على الأراضي المذكورة في التوراة من وجهة النظر الصهيونية، لكنه قال من حق إسرائيل أن تقيم دولتها وتعيش على الأراضي، التي توجد عليها حالياً.
المتحدث الرسمي وهو دبلوماسي أمريكي يقر بأحقية الكيان الصهيوني في احتلال ما تبقى من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذا ما أدركته الخارجية المصرية فوراً، لذلك أكدت في بيانها الرسمي أن ما تسمى بإسرائيل لا تمتلك الحق في احتلال الضفة الغربية، وبالتبعية قطاع غزة الذي تسعى مصر لإتمام المرحلة الثانية من اتفاق ترامب بشأنه، والتي تستوجب انسحاب جيش الاحتلال من كامل أراضي القطاع.
تجدر الإشارة إلى أن كلاً من الخارجية الأمريكية والبيت الأبيض لم يصدرا بياناً يتبرآن فيه من موقف السفير هاكابي المعروف بتطرفه وصهيونيته.
على أي حال، واشنطن تدعم ضمنياً السياسات التوسعية والاستيطانية الصهيونية، ليس فقط في الضفة الغربية، لكن في سوريا ولبنان، بصمتها عن الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة.
يمكن قراءة تصريحات الرجلين باعتبارها كشفاً لاستراتيجية العمل في منطقة الشرق الأوسط، بعد القضاء على الدولة الإيرانية وتفكيكها، فالهدف من العدوان على إيران لا يقتصر على إسقاط النظام وتفكيك البرنامجين النووي والصاروخي، وإنما إحداث اختلال في موازين القوى، وهو ما يمكن الكيان من فرض سيطرته وإرادته على باقي دول الإقليم.
نتنياهو يتحدث عن محور جديد يتصدى لما وصفه بالتحالف السني، وهو يشير هنا إلى التحالف السعودي المصري التركي الباكستاني، الذي بدت ملامحه تتشكل في الآونة الأخيرة لمواجهة مخططات فرض الهيمنة الصهيونية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي عبر دعم الجماعات الانفصالية في اليمن والسودان وأرض الصومال من خلال أذرع إقليمية رسمية ستكون ركيزة محور الشر الجديد، الذي يسعى مجرم الحرب إلى تأسيسه بالاشتراك مع الهند.
في الواقع، نتنياهو ليس بحاجة إلى إخفاء الدول العربية والأفريقية التي ستنضم إلى محور الشر الجديد، فكل من تورط في دعم الجماعات الانفصالية في اليمن وجرائم ما يسمى بالدعم السريع في السودان معروف سلفاً أنه سيكون ركائز محور الشيطان.
العدوان على إيران بات حتمياً، وكل ما جرى في الأيام الماضية بشأن المفاوضات بين واشنطن وطهران ليس سوى محاولات لكسب المزيد من الوقت، وبناء سرديات تسوق لموقف البلدين، أمريكا وإيران.
الحشود العسكرية الهائلة هدفها محاولة القضاء على القدرات العسكرية الإيرانية بأسرع وقت لتفادي السقوط في وحل حرب استنزاف طويلة، وحتى تتمكن فيما بعد من إدارة الواقع الجديد في إيران المدمرة والمفككة، والتي قد تدخل دوامة صراعات أهلية لا نهائية.
وفي حال نجاح هذا السيناريو الصهيوأمريكي سيتجه اليمين الصهيوني المتطرف إلى احتلال لبنان وإحكام سيطرته على سوريا، وضرب العراق عبر التنظيمات الإسلاموية السنية الإرهابية كتنظيم داعش، ومواصلة محاولاته لمحاصرة المملكة السعودية ومصر، من خلال أذرعه الإقليمية التي باتت معروفة.
تصريح نتنياهو بشأن محور الشيطان الذي يريد تأسيسه لمواجهة ما يصفه بالتحالف السني الجديد، لا يعبر عن رؤيته الشخصية، فقبل ذلك بثلاثة أيام وتحديداً يوم الخميس الـ19 من فبراير الحالي، حذر رئيس الوزراء الصهيوني السابق نفتالي بينت من أن تركيا تسعى إلى تحريض المملكة السعودية للعمل ضد الكيان الصهيوني، عبر تحالف سني يجمع أنقرة والرياض تحت المظلة النووية الباكستانية.
ربما يتمكن بنيامين نتنياهو من تشكيل محور جديد يضم أذرعه في الإقليم، لكن من الصعب تصور انضمام الهند لهذا المحور، بسبب علاقاتها المتشابكة مع القوى الإقليمية الكبرى، لا سيما مصر والمملكة السعودية.
تركيا لم تكن وراء تحريض المملكة السعودية ضد الكيان الصهيوني كما يدعي بينت، ذلك أن المملكة ومنذ عام 2002 تتمسك بالمبادرة العربية الداعية إلى مبدأ الأرض مقابل السلام والمتمسكة بشرط إقامة دولة فلسطينية وفقاً لقرارات الشرعية الدولية لإقامة علاقات طبيعية مع الكيان الصهيوني.
كما أن المملكة تيقنت بما لا يدع مجالاً للشك من أن الكيان الصهيوني بات يشكل تهديداً خطيراً لأمنها القومي بسبب دعمه غير العلني للحركات الانفصالية في اليمن، وهو ما تجسد في إعلان عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي السابق، الاعتراف بدولة إسرائيل بمجرد إعلان استقلال ما سماه بدولة الجنوب العربي، علاوة على اعتراف الكيان الصهيوني بانفصال إقليم أرض الصومال، وقيامه في سبيل تحقيق تلك الأهداف بتجنيد ذراع إقليمية مهمتها دعم الإرهاب والحركات الانفصالية في دول القرن الأفريقي.
تصريح هاكابي ونتنياهو يكشف خطة العمل المشتركة لما هو قادم بعد سقوط إيران، وصحيح أن قوى إقليمية كثيرة ارتكبت خطايا بسبب ما كانت تتبناه من مشاريع لتوسعة نفوذها، إيران من بين تلك القوى، إلا أن هذا الوضع قد اختلف تماماً، ومعادلات التعاطي معه تغيّرت، بعد أن ترسخ لدى الجميع أن وجود مشروع إقليمي يجمع القوى التقليدية الكبرى ذات الحضور التاريخي والجغرافي بات ضرورة حتمية، مشروع تتلاقى فيه المصالح بعيداً عن النزعات القطرية الأنانية.
المشروع الصهيوأمريكي هو الأكثر خطورة من المشاريع الإقليمية السابقة لأنه يستهدف في نهاية الأمر تفكيك الدول الكبرى والتوسع في احتلال أراضيها من مصر غرباً إلى العراق شرقاً والسعودية جنوباً، وتركيا وباكستان يدخلان ضمن أجندة هذا المشروع الخبيث لإضعافهما وإنهاكهما من الداخل.
وفي حال سقوط إيران سيبدأ العمل فوراً، وطبقاً للمعلن على لسان نتنياهو وسفير الولايات المتحدة، على إضعاف مصر والسعودية، لذلك أدركت هذه الدول أن انهيار الدولة الإيرانية سيعني اختلال ميزان القوى في الإقليم، فسارعت إلى تشكيل هذا التحالف الجديد لمواجهة مخططات التقسيم في اليمن والصومال والسودان، غير أن هذا التحالف لا يتشكل على أساس ديني مذهبي «سني»، كما يدعي نتنياهو، وإنما على أساس المصلحة واعتبارات الأمن القومي المشترك، فإذا خرجت إيران من هذه الحرب متماسكة، ربما تنضم إلى هذا التحالف، وفق معادلة إقليمية جديدة لا تتصارع فيها المشاريع على أساس مذهبي أو عرقي.
خلاصة القول: أحلام اليمين الصهيوني التوسعية ومخططات زعيمه الإرهابي بنيامين نتنياهو هي التي تدفع دول المنطقة نحو التحالف للدفاع عن أمنها القومي واستقلالها وسيادتها أمام المشروع الغربي الصهيوني لفرض الهيمنة عبر قوة السلاح، وهو ما يجعل أبناء الشرق الأوسط يستشعرون روائح المقاومة تعطر أرجاء منطقتهم، تنبعث هذه المرة من سياسات دولهم.