هل تعود البوارج الأمريكية بخفي حنين؟

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

بعد أن حشدت أمريكا حوالي ثلث جيوشها في مواجهة إيران تمهيدًا لضربة تزلزل أراضي الفرس، لماذا لا تهاجم؟ تتداول وسائل الإعلام العالمية تصريحًا لستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي، قال فيه: الرئيس ترامب مندهش من عدم استسلام إيران رغم حشودنا العسكرية!! بل قال: إن الرئيس محبط!!

تعاني أمريكا حالة عدم يقين تجاه حسم الحرب، ليسوا واثقين من سحق قدرات إيران وتنفيذ خططهم كما رسموها. صار لديهم قلق بسبب موقف إيران الثابت والقوي، كما أن ما نُشر عن امتلاك إيران القنبلة النووية بالفعل زاد من تردد أمريكا، بل إن ويتكوف زاد: إن إيران يمكن أن تكون امتلكت القنبلة بالفعل أو أمامها على أقصى تقدير أسبوع واحد. أي إن إيران حتى لو أمامها أسبوع، فهي مدة يمكن تحملها ومواجهة أمريكا وإسرائيل بعدها، أما إذا تأكد أن إيران امتلكت القنبلة فهذا سيتطلب من أمريكا التفكير ألف مرة قبل الإقدام على توجيه ضربة لإيران. وربما تعود البوارج الأمريكية بخُفّي حُنين وتصبح إيران قوة يعمل لها ألف حساب.

العلاقة بين الطرفين منذ 1979 لم تعد مجرد خصومة أيديولوجية، بل أصبحت معادلة أمن إقليمي ودولي تتداخل فيها مصالح الطاقة، وأمن إسرائيل، وممرات الملاحة، وانتشار السلاح النووي، وصورة القوة الأمريكية في عالم يتغير بسرعة. والحديث عن احتمال الحرب يتجدد كلما تصاعدت حدة الاشتباك غير المباشر، ضربات في الظل، رسائل بالنار عبر الوكلاء، استعراض للقوة في مياه الخليج، وحشد عسكري يبعث برسائل ردع بقدر ما يكشف عن قلق. غير أن هذا الحشد، كلما طال أمده، تحول من أداة ضغط إلى عبء سياسي واقتصادي. فالآلة العسكرية الأمريكية مصممة للحسم السريع، لعقيدة الصدمة والترويع التي تخلخل الخصم نفسيًا قبل أن تدمره ماديًا. لكن إيران ليست هدفًا تقليديًا في حرب تقليدية، إنها دولة واسعة جغرافيًا، متجذرة النظام والتاريخ، اعتادت العقوبات والعزلة، طورت شبكة من الحلفاء والفاعلين المسلحين عبر الإقليم تجعل أي مواجهة معها مواجهة متعددة الساحات.

لذلك تتردد أمريكا، لا بسبب ضعفها، بل لأنها تدرك تعقيد الكلفة. فالقرار بالحرب ليس قرار ضربة جوية عابرة، بل احتمال انزلاق إلى صراع إقليمي مفتوح، صواريخ تطال القواعد الأمريكية، اضطراب في أسواق النفط، تهديد للملاحة في مضيق هرمز، وربما اشتعال جبهات متزامنة من العراق إلى لبنان إلى اليمن. وفي الداخل الأمريكي، لم تعد الحروب البعيدة تحظى بالإجماع ذاته الذي ساد مطلع الألفية، الإرهاق الاستراتيجي بعد العراق وأفغانستان ترك أثرًا عميقًا في المزاج العام وفي حسابات صانع القرار.

أما إيران، فهي تمارس لعبة الصبر الاستراتيجي مقرونة بسياسة الاقتراب من العتبة. فمنذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي المبرم في عهد باراك أوباما، دخل الملف النووي مرحلة تصعيد تدريجي. الحديث عن امتلاك القنبلة أو الاقتراب منها يظل في دائرة التقديرات الاستخباراتية والتكهنات السياسية، لكن الثابت أن طهران سعت إلى تعزيز أوراقها التفاوضية برفع مستوى التخصيب وتقليص هامش العودة السهلة إلى القيود السابقة. إنها استراتيجية تقوم على خلق غموض محسوب، لا إعلان قاطع بامتلاك السلاح، ولا تراجع كامل يبدد ورقة الردع المحتملة.

لهذا يصبح التردد الأمريكي انعكاسًا لمعضلة الردع المتبادل غير المعلن. فإذا كانت إيران قد اقتربت فعلًا من العتبة النووية، فإن أي هجوم مباشر قد يدفعها إلى القفز النهائي نحو السلاح، بينما الامتناع عن الهجوم قد يُفسر بوصفه قبولًا ضمنيًا بالأمر الواقع. هكذا تجد واشنطن نفسها بين خيارين كلاهما مكلف، ضربة قد تؤخر البرنامج لكنها تفتح أبواب التصعيد، أو احتواء طويل الأمد يراهن على الردع والعقوبات دون ضمان تغيير السلوك.

كما أن ميزان القوة لم يعد أحاديًا كما كان بعد الحرب الباردة. فإيران نسجت علاقات أعمق مع قوى كبرى منافسة لواشنطن، مستفيدة من التحولات في النظام الدولي ومن انشغال الولايات المتحدة بملفات أخرى. وفي عالم تتعدد فيه بؤر التوتر، يصعب على الإدارة الأمريكية حشد إجماع دولي واسع لأي مغامرة عسكرية جديدة، خصوصًا إذا لم يكن التهديد آنيًا ومثبتًا بما لا يدع مجالًا للشك.

التوقعات المستقبلية لا تميل، في المدى المنظور، إلى حرب شاملة بين الطرفين، بل إلى استمرار نمط اللا حرب واللا سلم: ضغط اقتصادي، عمليات محدودة، رسائل ردع، ومفاوضات غير مباشرة تتقدم وتتراجع بحسب موازين اللحظة. قد تقع مواجهات تكتيكية أو ضربات محسوبة، لكن الانزلاق إلى حرب مفتوحة يظل خيارًا أخيرًا، تلجأ إليه الأطراف إذا شعرت بأن ميزان الردع اختل جذريًا.

إن الصراع بين أمريكا وإيران ليس مجرد صراع إرادات آنية، بل صراع حول شكل النظام الإقليمي ومستقبله. واشنطن تريد شرق أوسط منضبطًا ضمن منظومة أمن تقودها، وطهران تريد اعترافًا بدورها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها. وبين هذين التصورين تتولد الأزمات وتتعاقب جولات التصعيد. قد لا تحمل الأيام المقبلة إعلان حرب، لكنها ستحمل بالتأكيد استمرار اختبار الإرادات. وفي هذا الاختبار، لا يكون النصر دائمًا حاسمًا أو نهائيًا، بل قد يكون مجرد قدرة على تجنب الأسوأ، أو على فرض معادلة ردع تجعل الحرب أقل احتمالًا مما توحي به الضوضاء السياسية. وفي عالم تحكمه الحسابات الباردة بقدر ما تشعله الخطابات الحارة، يظل الاحتمال الأكبر أن يبقى هذا الصراع معلقًا بين الهاوية والحذر، بين التهديد والتفاوض، دون أن يسقط بالكامل في أتون مواجهة شاملة.