«حد أقصى»
أعترف بأن ضيق الوقت جعلني لا أضع مسلسل «حد أقصي» ضمن أولويات المشاهدة والفرجة الرمضانية، لكني عندما شاهدت بالصدفة أول حلقة، حدثت الكيمياء السحرية الدرامية التي أجبرتني على الاستمرار، فقد استطاع بمهارة وحنكة وخبث درامي، إن جاز التعبير، أن يمسك بتلابيبي من الحلقة الأولى، والفضل يعود للإيقاع، الذي هو عصب أي عمل فني، من الموسيقى وحتى الفن التشكيلي مروراً بالدراما، فالحياة إيقاع، ليل ونهار، شهيق وزفير، مد وجزر، كذلك الفن، من يمسك بتلك اللحظة السحرية المراوغة، أمسك بقبضته على سر النجاح، والمسؤول عن ضبط هذا الإيقاع، ثلاثة، المخرج، والسيناريست، والمونتير تحت إشراف المخرج، والمخرجة أدهشتني بالفعل، مايا زكي، والتي برغم صغر سنها، استطاعت السيطرة على إيقاع عمل بهذا التشعب وهؤلاء النجوم، هي بالفعل تستحق كل التقدير والاحترام، أرفع لها القبعة على لمساتها، وكادراتها التي ترتقي لمرتبة اللوحات، ففي مشهد بكاء بطلة المسلسل «صباح» على كورنيش الإسماعيلية، وتحت قدميها قوارب الصيد، هذا المكان بالذات أمر عليه يومياً، لكني بعد تلك الحلقة، أصبح المألوف بالنسبة لي مدهشاً وجديداً وبكراً وطازجاً، وهذا سحر الفن، سيطرت على حركة الممثلين وطريقة أدائهم، ولم تفعل مثل كثير من مخرجي هذا الزمن، من أصحاب نظرية كل ممثل يعمل الشويتين بتوعه!!، فقد جاء الأداء متجانساً، يخضع لعين واحدة، هي عين المخرجة مايا زكي، يحمل بصمتها، سمحت بانطلاق إبداع كل ممثل، لكن هذا الخليط والكوتيل في النهاية، لم يخرج للناس فخفخينا بلا طعم أو مذاق، ولكنه كوكتيل محسوب طعمه النهائي بالجرام، أما السيناريست هشام هلال، فقد منحنا في هذا الشهر أقوي مسلسلين، عين سحرية، وحد أقصى، وهذا يحسب له، فهو كاتب لا يكتب بالكيلو، المشاهد كلها منضبطة بميزان الذهب، النقلات منطقية، استطاع تغليف الميلودراما في ورقة سيلوفان فنية، لم يسقط في فخ الوعظ المباشر، واستطاع بمهارة أن يبسط المعلومات الاقتصادية المعقدة التي هي ذروة المسلسل، وبدون فهمها يسقط التفاعل، واختار فكرة ذكية ولماحة وجديدة، 200 مليون جنيه في حساب راكد، فجأة، نقطة رائعة لتصاعد أحداث لاهثة، وانتقل بسلاسة بين الحي الشعبي والبنك، بين المنسحقين المهمشين، وبين حيتان الفساد وغاسلي الأموال، الشخصيات عنده ليست أبيض وأسود، ولكن فيها رماديات، تحمل الخير والشر، تحت ضغط الحاجة من الممكن أن تذوب قيمها ومبادئها، طاقم التمثيل أيضاً ساهم في ضبط الإيقاع الفني، بعدم الأفورة في المشاعر، وتحويل المسلسل إلى مندبة، روجينا كان أداؤها دالاً على خبرة وموهبة معتقة ناضجة، خالد كمال شرير بمسحة ابن البلد أبو دم خفيف، والذي بنظرة يلخص ملحمة مشاعر، كان الكل مجيداً، محمد القس، مصطفى عياد، ايفا، باسنت أبوباشا، الممثلة التي أدت دور أخت روجينا الصغيرة، «حد أقصى» مسلسل تراهن عليه وأنت مطمئن، دراما معطرة بعبق الكبار وحماس الشباب.