دراما رمضان ومعركة الوعي

أمجد مصطفى

أمجد مصطفى

كاتب صحفي

أكدت دراما رمضان هذا العام أن القوة الناعمة ليست ترفًا ثقافيًا، بل إحدى أدوات الدولة في معركة الوعي. فالمسلسلات لم تعد مجرد حكايات للترفيه، وإنما تحولت إلى مساحات مواجهة وكشف وتوثيق، تعيد ترتيب المشهد في ذهن الجمهور، وتضع النقاط فوق الحروف في لحظات فارقة من تاريخ الوطن.


في مقدمة هذه الأعمال جاء مسلسل رأس الأفعى بطولة أمير كرارة، وشريف منير وتأليف هاني سرحان وإخراج محمد بكير، وهو المسلسل الذي اقترب من ملف شديد الحساسية، كاشفًا جانبًا من مخططات القيادي الإخواني محمود عزت في إنهاك وإرباك الدولة المصرية عبر نشر الفوضى ودعم العنف عقب ثورة 30 يونيو. العمل لم يعتمد على الصخب، بل راهن على الدراما المشوقة المدعومة بوقائع معروفة، ليؤكد أن ما جرى لم يكن عشوائيًا، وإنما مخططًا يستهدف ضرب مؤسسات الدولة وإرباك المجتمع.


قيمة «رأس الأفعى» أنه لم يُقدَّم بروح انتقامية، بل بروح توثيقية؛ فهو يضع المشاهد أمام صورة متكاملة لمرحلة حاولت فيها جماعة محظورة اختطاف الوطن، ويُذكّر الأجيال الجديدة بحقائق ربما لم تعش تفاصيلها كاملة. هنا يصبح الفن شاهدًا، وتصبح الدراما أداة لحماية الذاكرة الوطنية من التشويه أو النسيان.


على الجانب الآخر، جاء مسلسل «صحاب الأرض» بطولة منة شلبي واياد وإخراج بيتر ميمي، ليحمل رسالة قومية تتجاوز الحدود، كاشفًا حجم المأساة التي يتعرض لها أهلنا في غزة تحت آلة الحرب الإسرائيلية. العمل أعاد تسليط الضوء على المجازر والانتهاكات، ليس بلغة الشعارات، وإنما عبر حكايات إنسانية تمس القلب قبل العقل. وفي وقت تتصارع فيه الروايات على الشاشات العالمية، كانت الدراما المصرية تقول كلمتها بوضوح: الانحياز للحق ليس خيارًا سياسيًا فحسب، بل موقفًا أخلاقيًا وإنسانيًا.


كل هذا يؤكد أن القضايا السياسية لم تعد حكرًا على النشرات الإخبارية أو الفضائيات المتخصصة وحدها. فالمتلقي المعاصر يتابع الخبر، لكنه يتفاعل أكثر مع الحكاية. هنا تتقدم الدراما لتستكمل الدور، لا بوصفها بديلًا للإعلام الإخباري، بل باعتبارها امتدادًا أكثر عمقًا وتأثيرًا. الصورة الدرامية، حين تُبنى بحرفية، قادرة على تحويل الحدث من معلومة عابرة إلى تجربة إنسانية يعيشها المشاهد بكل تفاصيلها، فتترسخ في وعيه بصورة أوقع وأكثر جاذبية.


ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تقوم فيها الدراما المصرية بهذا الدور. فالتاريخ يشهد بأعمال وطنية كبرى شكلت وجدان أجيال كاملة، مثل مسلسل رأفت الهجان، ودموع في عيون وقحة، والسقوط في بئر سبع، وفارس بلا جواد الذي أثار جدلًا واسعًا وطالبت إسرائيل بوقف عرضه آنذاك، وآخر تلك الأعمال كان مسلسل الاختبار الذي قدم في عدة أجزاء. هذه الأعمال لم تكن مجرد دراما الجاسوسية أو تاريخية، بل كانت رسائل وطنية واضحة، قدمت بطولات المصريين، وكشفت مخططات الأعداء، وأسهمت في تشكيل الوعي الجمعي.


اللافت أن كلا العملين «رأس الأفعى وصحاب الأرض» حظيا باهتمام جماهيري واسع داخل مصر وخارجها، وهو ما يعكس تعطش الجمهور لأعمال تحترم وعيه وتخاطب وجدانه الوطني. فالمشاهد العربي لم يعد يبحث فقط عن المتعة، بل عن المعنى أيضًا. وعندما تجتمع المتعة مع الرسالة، يتحقق التأثير الحقيقي.


هذه التجربة تؤكد حقيقة راسخة: الفن بصفة عامة، والدراما بصفة خاصة، يمكن أن يكونا سلاحًا رادعًا إذا أُحسن توظيفهما. فكما تتحرك الدبلوماسية عبر القنوات الرسمية، تتحرك القوة الناعمة عبر الشاشة، لتصل إلى قطاعات أوسع، وربما إلى مساحات أبعد مما تصل إليه البيانات والخطب السياسية.


لقد قدمت مصر من خلال هذين العملين رسائل واضحة إلى العالم: أنها دولة تدافع عن نفسها في مواجهة الإرهاب، وتناصر الحق في مواجهة العدوان. وبينما كان الموقف السياسي المصري حاضرًا بقوة عبر مؤسسات الدولة، جاءت الدراما لتسير في الاتجاه ذاته، تعزز الرسالة وتمنحها بعدًا شعبيًا وإنسانيًا أوسع.


هكذا تثبت دراما رمضان أن معركة الوعي لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى، وأن الكاميرا قد تكون أحيانًا أقوى من الرصاصة، حين تحمل قضية عادلة، وتُحسن التعبير عنها.