المجاهدون الروس

كان «المجاهدون الأفغان».. والآن «المجاهدون الروس». ساهم «المجاهدون الأفغان» فى تكسير الإمبراطورية السوفيتية.. فهل يسعى «المجاهدون الروس» إلى تكسير الدولة الروسية ذاتها؟

(1)

أودّ أن أطرح اليوم مصطلح «المجاهدون الروس» للمرة الأولى.. وإنّى أطرحُه أيضاً للنقاش والحوار.

(2)

تحدثتُ فى كتابى «الجهاد ضد الجهاد».. عن دور «المجاهدين الأفغان» مع «حرب أسعار النفط» فى وضع نهاية مدوّية للاتحاد السوفيتى.. ثم عن دور «المجاهدين الأفغان» فى وضع نهاية مأساوية للدولة الأفغانية نفسها بعد هزيمة السوفييت.. ثم عن دورهم فى إطلاق «الحرب الأهلية» داخل الإسلام.. بعد أن حلّ الجيل الثانى من المجاهدين «طالبان والقاعدة» محل «الجيل الأول» فى السَّطوة والسُّلطة.

ولقد قاد الجيل الثانى من «المجاهدين» إلى النشأة الصاخبة للجيل الثالث من «المجاهدين».. حيث «تنظيم داعش» الأسطورى.. الذى جاء لنشر الدماء بين المسلمين!

كان «الجيل الأول» من المجاهدين.. واضحاً فى العداء للاتحاد السوفيتى، وجاء «الجيل الثانى» من المجاهدين.. واضحاً فى العداء للولايات المتحدة.. فَبِماذا جاء الجيل الثالث؟ ما حساباتُه؟ مع من يقفْ.. وضدّ من يحاربْ؟

الإجابة صعبة للغاية.. لكن تبدو الإجابة الأقوى كالتّالى: جاء الجيل الثالث من المجاهدين من أجل المشاركة فى المشروع الكبير لإسقاط الدولة الروسية.. بمثل ما جاء «الأجداد الأيديولوجيون» من الجيل الأول للمشاركة فى المشروع الكبير لإسقاط الاتحاد السوفيتى.. ومتجاوزاً جيل «الآباء الأيديولوجيين» الذين تفرَّغوا للخطابة ضدّ الولايات المتحدة.. وجَرى اتهامهم فى فاجعة أحداث الحادى عشر من سبتمبر.. المروِّعة.

(3)

بدَتْ داعش إذن.. وكأنها جماعة متطرفة جاءت لإرهاب المسلمين.. وتبدو الآن، وكأنها جاءت لإرهاب «المسلمين أولاً».. ثم لإرهاب «روسيا ثانياً».. أى البدء بتدمير ديار المسلمين.. لأجل الهدف الأكبر.. وهو تدمير ديار الروس.

(4)

لم يكن مثل هذا التحليل ليحظى بالاهتمام الجادّ لو أنه جاء مع مجىء داعش.. لكنه اليوم، وقد مضى ما يكفى من الوقت.. اتضحت خلاله المكونات الرئيسية لداعش.. أصبح التحليل الأكثر جدية فى إطار رؤية واسعة لدور «الإسلام السياسى» فى حروب القوى العظمى.

(5)

يوجد عدد كبير من «المجاهدين الروس» فى تنظيم داعش والتنظيمات الشقيقة، وحسب صحيفة الجارديان، فإن أكثر من (5٫000) من مقاتلى داعش من روسيا والمجال الروسى.. منهم أكثر من (4٫000) من الشيشان وحدها!

وتستعد هذه الآلاف للعودة إلى روسيا أو «حول روسيا» للإطاحة بها، أو العمل داخلها.. بعد انتهاء الحرب فى سوريا.

وتذكر صحيفة «الإندبندنت» أن أجهزة استخبارات قد التقطت مكالمة هاتفية بين «أبوعمر الشيشانى» القيادى البارز فى «داعش».. كان يتحدث خلالها إلى والده.. حيث أبلغه بأنه يقود آلاف المجاهدين فى سوريا، وأنه بعد سوريا سيتوجه إلى روسيا.

وتنقل «الإندبندنت» عن «أبوعمر الشيشانى» قوله لوالده: «حين أعود إلى روسيا سينضم إلى آلاف المقاتلين معى آلاف أخرى من أجل الجهاد ضد موسكو».

(6)

لقد بات الأمر واضحاً.. إن «المجاهدين الروس» هم هذه المرة «روس» حقًّا.. ومن داخل روسيا الاتحادية.. ويحملون الجنسية الروسية.

كما بات واضحاً أنهم بالآلاف، وأن وراءهم آلافاً أخرى جاهزة للانضمام.. وبات واضحاً أيضاً.. أن الحرب فى سوريا هى «الهدف التكتيكى»، لكن «الهدف الاستراتيجى» هو الحرب فى روسيا. إن سوريا تبدو هنا وكأنها ساحة تدريب لا أكثر، وأن «المجاهدين الروس» كأنهم ذهبوا فى بعثة تعليمية وتدريبية فى «أكاديمية داعش» الدولية.. من أجل العودة لهدم بلادهم.

(7)

هنا يمكن أن نفهم تصريحات الرئيس بوتين ورئيس الوزراء ميدفيديف أنه يحارب فى «سوريا من أجل روسيا».. وأن روسيا «ذهبت قبل أن يأتوا».. وأن موسكو فى دمشق من أجل الأمن القومى الروسى.. وفى إطار الحرب على الإرهاب الذى يخطط للانتقال الجغرافى من العالم العربى إلى العالم الروسى بعد قليل.

(8)

كمْ هى صعبةٌ العلاقات الدولية المعاصرة.. وكم هى صعبة الحركة بين هذا الكمّ الهائل من الأمواج والأعاصير.. التى لا تنتهى.

إنها ليست «المؤامرة».. إنها السياسة.. ذلك أن السياسة الدولية -ببساطة- هى إدارة المؤامرات ضد «الآخر»، وتفكيك المؤامرات ضدّ «الذات».

(9)

الجُهلاء كالعُملاء.. والفاشل كالخائن.. والأغبياء فى أى سُلطة هم المصدر الأول لتهديد الأمن القومى.

حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر