سامح فايز يكتب: رأس الأفعى: تشريح التنظيم وصراع الدولة (1)
سامح فايز يكتب: رأس الأفعى: تشريح التنظيم وصراع الدولة (1)
إن العمل الدرامي «رأس الأفعى» لا نستطيع أن نعده عملاً عن مطاردة تقليدية بين ضابط وإرهابي، ولا عن صراع مباشر بين بطل وخصم. العمل ينتمي إلى مستوى أعمق: مستوى الصراع بين الدولة بوصفها مؤسسة، والتنظيم بوصفه شبكة. وتلك النقطة تحديداً هي ما يمنحه ثقله السياسي، ويجعله أقرب إلى قراءة درامية لمرحلة ما بعد 2013، لا مجرد استعادة أحداث.
الفرق بين «التنظيم» و«الشبكة» ليس لغوياً. التنظيم التقليدي له رأس واضح، هرم قيادى، تسلسل أوامر مباشر. أما الشبكة، فهي بنية عنقودية، متعددة المراكز، قادرة على إعادة إنتاج نفسها حتى لو سقط أحد مفاصلها. ذلك الفارق الجوهري هو ما يشتغل عليه المسلسل بذكاء، وهو ما يلتقى مع ما وثّقته دراسات عديدة عن تحولات جماعة الإخوان بعد موجة الصدام الكبرى مع الدولة.
في الأدبيات الأكاديمية يظهر الإخوان كتنظيم شديد المركزية تاريخياً، لكنه اضطر بعد الضربات المتتالية إلى التحول نحو لا مركزية محكومة، تُدار من الخلف، عبر ما يمكن تسميته «رجال الظل». الحلقات الأولى من «رأس الأفعى» تستعيد ذلك المفهوم درامياً: الرأس ليس دائماً في الواجهة، وقد لا يكون الأكثر ظهوراً هو الأكثر تأثيراً.
العمل لا يقدم الدولة في صورة فرد بطل خارق، بل في صورة منظومة تحاول أن تفهم خصمها قبل أن تضربه. في مشهد استعانة الضابط بالمواطن «طه» مثلاً، لا تُقدِّم الفكرة بوصفها استعراضاً للذكاء الفردي، بل كتجسيد لفكرة أعمق: الدولة لا تواجه الشبكات وحدها، بل عبر المجتمع.
تلك النقطة تحديداً مهمة سياسياً. فبعد 2013، لم تكن المعركة فقط أمنية، بل معركة استعادة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. المسلسل يوظف ذلك المعنى دون خطاب مباشر. التعاون هنا ليس شعاراً، بل أداة تفكيك شبكة.
وفي مشهد تطبيق القانون على ضابط الأمن الوطنى نفسه، حين يُصرّ على إرسال «الونش» لرفع سيارة زميله المخالفة بدل استخدام نفوذه، يبعث العمل رسالة دقيقة: الدولة التي تواجه شبكة سرية لا تستطيع أن تعمل بعقلية استثناء عناصرها خارج دائرة القانون. فهو ليس تفصيلاً، بل عنصر شرعية. وتلك النقطة تعكس فهماً عميقاً للفارق بين مؤسسة تسعى للاستقرار وتنظيم يتحرك خارج قواعده.
تلك البنية الشبكية أيضاً هي التى تجعل عنوان المسلسل دقيقاً. فالرأس هنا ليس فقط قائداً، بل مركز توجيه. ضرب الأطراف لا يكفي. وهذا ما أدركته الدولة في الواقع، وهو ما يعكسه المسلسل في خطابه الضمني.
الكتب التي تناولت مرحلة ما بعد 2013 تشير إلى أن الجماعة دخلت مرحلة انقسام داخلي حاد بين مدرسة التصعيد ومدرسة الحفاظ على البنية. المسلسل أشار إلى ذلك صراحة في حلقاته الأولى؛ فقد ألمح إلى صراع داخل التنظيم نفسه بين من يريد المواجهة الصاخبة ومن يفضل التمركز في الظل.
ذلك التفصيل مهم لأنه يُخرج العمل من الثنائية السطحية (دولة ضد تنظيم) إلى مساحة أكثر تعقيداً: تنظيم يعيد تعريف نفسه تحت الضغط. وهو ما يجعل المواجهة أصعب. فالدولة لا تواجه خطاباً واحداً، بل شبكة تتكيف. الرسالة التي تتسرب عبر الحلقات الأولى يمكن تلخيصها في جملة واحدة: المعركة ليست ضد أشخاص، بل ضد بنية. وهنا يتفوق المسلسل على كثير من الأعمال السابقة التىي ركزت على المواجهة الفردية. «رأس الأفعى» يذهب إلى الجذر. الجذر هو الشبكة. الشبكة تحتاج إلى تفكيك منهجى، لا إلى صدمة إعلامية.
من الناحية السياسية، ذلك الطرح يتناغم مع فلسفة الدولة المصرية بعد 2013: ليس كافياً إسقاط رأس ظاهر، بل يجب تفكيك البنية التي تنتج الرؤوس. وتلك فلسفة مؤسسات، لا فلسفة رد فعل.
إذا استمر العمل على ذلك النهج، فمن المرجح أن ينتقل من مرحلة الرصد إلى مرحلة تفكيك الطبقات. السؤال لن يكون: من هو الرأس؟ بل: كيف تُدار الشبكة؟ وكيف يُعاد إنتاجها؟ والسؤال الأهم: هل يكفي الوصول إلى الرأس، أم أن المعركة الحقيقية تبدأ بعد ذلك؟
الحلقات الأولى تضعنا أمام دراما تفهم السياسة، لا فقط تجسدها. وذلك ما يجعل «رأس الأفعى» أقرب إلى تشريح تنظيم منه إلى مطاردة تقليدية. المعركة في العمل ليست صوتاً مرتفعاً. هي عقل مقابل عقل. شبكة مقابل مؤسسة. ظل مقابل قانون.
والبداية فقط كانت الرأس.