مي سمير تكتب: تقدير استخباراتي أمريكي يكشف خيارات «ترامب» للعمل العسكرى ضد إيران
مي سمير تكتب: تقدير استخباراتي أمريكي يكشف خيارات «ترامب» للعمل العسكرى ضد إيران
قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في مقابلة مع شبكة CBS: «لا نسعى إلى الحرب، لكننا مستعدون لها بالكامل إذا فرضت علينا». في المقابل حذر دونالد ترامب من أن الولايات المتحدة قد تضرب إيران «بشكل قاسٍ» إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي. وبين التصريحات الإيرانية التي تعكس استعداداً لمواجهة الحرب والتحذيرات الأمريكية التي تلمح إلى أن الهجوم الأمريكي هذه المرة سيكون قاسياً، يترقب العالم المشهد في حالة من الشك، التي قد تصل إلى حد اليقين بأن حرباً قادمة شاملة قد أصبحت قاب قوسين أو أدنى. عن هذا المشهد المضطرب سياسياً وعسكرياً رسم مركز ستراتفور، القريب من المخابرات الأمريكية، مساراً واضحاً لخيارات الهجوم الأمريكي. اختلفت الخيارات في تفاصيلها، ولكنها اتفقت في نتيجتها: القضاء على النظام الإيراني.
يدرس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تنفيذ ضربة أمريكية محدودة ضد إيران خلال أيام، كخطوة أولى للضغط على طهران للقبول بمطلب واشنطن «صفر تخصيب»، مع إبقاء خيار التصعيد إلى هجوم أوسع لاحقاً هذا العام إذا فشلت الدبلوماسية أو لم تحدث الضربة الأولى أثراً، وهو تصعيد قد يذهب، وفق مداولات داخل الإدارة، إلى حد المساعدة في إسقاط قيادة النظام واستهداف موقع المرشد الأعلى على خامنئي.
تسارع الولايات المتحدة إلى حشد قوة عسكرية كبيرة من الأصول الجوية والبحرية قرب إيران، في وقت يدرس فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خيارات التحرك العسكري ضدها. وتبحر حالياً مجموعة حاملة الطائرات يو إس إس جيرالد فورد عبر المحيط الأطلسي باتجاه الشرق الأوسط، حيث ستنضم إلى عشرات المقاتلات وما لا يقل عن ست طائرات إنذار مبكر وتحكم من طراز E-3 Sentry جرى نقلها مؤخراً إلى قواعد أمريكية في المنطقة، في أكبر حشد للقوة الجوية الأمريكية هناك منذ غزو العراق عام 2003.
وبالتوازي مع استعراض القوة هذا، اتخذت الولايات المتحدة وإسرائيل خطوات متعددة استعداداً لاحتمال رد إيراني /أو من قبل وكلائها. ففي 11 فبراير، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية أمر «مغادرة إلزامية» للموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم من سفارة الولايات المتحدة في بغداد، مشيرة إلى خطر فوري لرد إقليمي. وفي اليوم التالي، سمحت وزارة الدفاع الأمريكية بـ«مغادرة طوعية» لعائلات العسكريين من البحرين والكويت وقطر، وهي خطوة تتخذ عادة قبيل عمليات عسكرية كبرى.
وفي 18 فبراير، أعلنت قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية أعلى درجات الجاهزية، وأصدرت تعليمات على مستوى البلاد لخدمات الطوارئ والمراكز المدنية للاستعداد لسيناريو «حرب متعددة الجبهات». وبالتزامن، أجرت شركة الكهرباء الإسرائيلية ووزارة الطاقة تدريبات «انقطاع كهربائي» في 16 و17 فبراير لاختبار صمود شبكة الكهرباء الوطنية أمام هجمات سيبرانية أو صاروخية إيرانية محتملة. وحتى 19 فبراير، وسعت شركات طيران دولية كبرى، من بينها لوفتهانزا وKLM، نطاق إلغاء الرحلات في مطار بن جوريون. كما أصدرت السفارة الافتراضية الأمريكية في إيران تحذيراً نهائياً في 18 فبراير دعت فيه المواطنين الأمريكيين المتبقين إلى مغادرة البلاد فوراً برّاً عبر تركيا أو أرمينيا بسبب إغلاق وشيك للمجال الجوي.
مركز ستراتفور: الحرب ليست حتمية لكن الهجوم الأمريكي المحتمل يهدف للقضاء على النظام الإيراني
وحسب مركز ستراتفور، هذه الإجراءات لا تعني بالضرورة أن الحرب باتت حتمية، إذ إن الحشد العسكري الأمريكي قد يهدف أساساً إلى الضغط على إيران لتقديم تنازلات في المفاوضات النووية الجارية. لكنها في الوقت نفسه تتسق مع استعدادات لهجوم أمريكي أو إسرائيلي كبير على إيران، وتمنح ترامب هامشاً واسعاً لتنفيذه إذا اختار ذلك. كما أنها تشبه إلى حد كبير -بل وتتجاوز- الخطوات التي سبقت حرب يونيو 2025 بين إيران وإسرائيل، والتي استدرجت الولايات المتحدة لاحقاً. ومع ذلك، لا تستطيع واشنطن الحفاظ على هذا المستوى المرتفع من الانتشار العسكري إلى ما لا نهاية، وستواجه في نهاية المطاف معضلة «إما استخدامه أو خسارته».
الأصول الأمريكية المنتشرة واستخداماتها المحتملة
يؤكد مركز ستراتفور أن الحشد العسكري الأمريكي الحالي في الشرق الأوسط يعد واسعاً على نحو غير معتاد من حيث الحجم وتنوع الأصول، حيث يعد أكبر حشد عسكري أمريكي قرب إيران منذ غزو العراق 2003. يشمل الحشد العسكري الأمريكي قوات بحرية في شرق المتوسط والخليج العربي، إضافة إلى طائرات قتالية منتشرة في قواعد إقليمية مثل قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن وقاعدة العديد الجوية في قطر. ويوفر هذا الانتشار قدرات دفاعية -كالدفاع الجوي والصاروخي- فضلاً عن خيارات هجومية متنوعة، تشمل ضربات دقيقة بعيدة المدى، وحملات جوية مستدامة، بل وحتى عمليات تسلل بري وغارات نوعية.
وتظهر بيانات تتبع الرحلات مفتوحة المصدر زيادة كبيرة في عمليات النقل الجوي الاستراتيجي الأمريكي إلى المنطقة منذ منتصف يناير، مع رصد أكثر من 80 رحلة لطائرات C-17 Globemaster III.
ورغم صعوبة التحقق المستقل من الأرقام الدقيقة، فإن هذا النوع من الانتشار عادة ما يرتبط بتخزين مسبق للذخائر وقطع الغيار ومعدات الصيانة والبنية اللوجستية اللازمة لدعم عمليات جوية عالية الكثافة.
كما لوحظ تفعيل «جسر» للتزود بالوقود جواً باستخدام طائرات KC-46A Pegasus وKC-135 Stratotanker عبر الأطلسي والمتوسط. وهذه الطائرات أساسية لاستدامة العمليات القتالية، إذ تمكن من تنفيذ دوريات جوية ممتدة وضربات بعيدة المدى متكررة دون الاعتماد الكامل على القواعد الأمامية القريبة من إيران، والتي تقع ضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية.
وخلال الأيام الأخيرة، شهدت المنطقة تدفقاً واضحاً لمقاتلات متقدمة تشمل F-22 Raptor وF-35 Lightning II وF-15E Strike Eagle وF-16 Fighting Falcon، إضافة إلى منصات تزود بالوقود وطائرات قيادة وسيطرة جوية. ويشير هذا التنوع إلى احتمال دراسة عمليات عسكرية مستدامة، وليس مجرد ضربة عقابية واحدة.
في أي هجوم محتمل على إيران، ستؤدي كل فئة من الطائرات دوراً محدداً. فمقاتلات F-35 ملائمة لقمع وتدمير الدفاعات الجوية المعادية في المراحل الأولى، عبر استهداف الرادارات ومنظومات الصواريخ أرض-جو. أما F-22 فستستخدم على الأرجح لفرض سيطرة جوية كاملة ومنع المقاتلات الإيرانية من تهديد تشكيلات الضربات. وتعد السيطرة الجوية أساساً لأي حملة جوية مستدامة.
في المقابل، تؤدي F-15E دور منصات ضرب ثقيلة الحمولة، قادرة على استهداف مراكز القيادة ومستودعات الصواريخ والمنشآت العسكرية المحصنة والبنية التحتية الاستراتيجية.
كما ألمح ترامب إلى جاهزية قاذفات B-2 الشبحية التي نفذت ضربات ضد منشآت نووية إيرانية محصنة في يونيو 2025، غير أن استخدامها يتوقف على توفر قنابل GBU-57 الخارقة للتحصينات (تزن نحو 30 ألف رطل)، والتي استهلك معظمها العام الماضي.
أما الأصول البحرية، بما فيها الغواصات والمدمرات، فتوفر قدرات ضرب بعيدة المدى من عرض البحر، وغالباً ما تستخدم صواريخ كروز لتمهيد الطريق أمام العمليات الجوية.
ولفتت تقارير مفتوحة المصدر إلى وجود طائرات MC-130J Commando II ومروحيات إنقاذ قتالي، المرتبطة بقدرات العمليات الخاصة، ما يوسع نطاق الخيارات ليشمل عمليات تسلل أو غارات محددة أو حتى استهداف قيادات في الحرس الثوري الإيراني.
خيارات التحرك العسكري الأمريكي
يوفر تنوع وحجم الحشد العسكري الأمريكي لترامب نطاقاً واسعاً من الخيارات. بالمقارنة مع يونيو الماضي، عندما شنت الولايات المتحدة ضربة محدودة على إيران، فإن احتمال حملة أوسع وأطول أمداً أكثر ترجيحاً هذه المرة، كما يؤكد تقرير مركز ستراتفور الذي قسم الخيارات إلى ثلاثة مسارات محتملة، مرتبة حسب نطاقها العملياتي.
الخيار الأول: ضربات ضد مقار القيادة العسكرية الإيرانية والقيادات والمنشآت المرتبطة بالبرنامج النووي وأنظمة الرادار والدفاعات الجوية
الخيار الأول هو حملة جوية وبحرية منسقة متعددة الأيام، تشمل العديد من الضربات الجوية ضد مقار القيادة العسكرية الإيرانية، والقيادات، والمنشآت المرتبطة بالبرنامج النووي، وأنظمة الرادار، والدفاعات الجوية، والبنية الصاروخية، وعناصر جهاز الأمن الإيراني الأوسع. وستسعى مثل هذه الحملة إلى تدمير جهاز الأمن الحكومي الإيراني وقدراته العسكرية الأوسع، لخلق فراغ أمني ووضع الأساس لتحول في النظام. وسيكون المنطق العملياتي أولاً قمع وإضعاف ما تبقى من الدفاعات الجوية الإيرانية، ثم استهداف مراكز القيادة والتحكم، ومراكز الإمداد، والمنشآت الاستراتيجية بشكل منهجي. أما الهدف الاستراتيجي فمن المرجح أن يكون إكراهياً: فرض تكاليف عسكرية واقتصادية كافية لإجبار طهران على تقديم تنازلات سياسية أقرب إلى الاستسلام، سواء فيما يتعلق بالبرنامج النووي أو الصاروخي أو دعم الوكلاء الإقليميين. وفي أكثر صوره طموحاً، قد يهدف هذا النهج أيضاً -خصوصاً إذا شاركت إسرائيل- إلى إضعاف القدرة القسرية للنظام الإيراني بشكل كبير، عبر إضعاف ميليشيا الباسيج التابعة للحرس الثوري. وبالنظر إلى الضغوط الاقتصادية والعسكرية الحالية التي تواجهها إيران، فإن الإضعاف المستدام لجهاز الأمن قد يبني تدريجياً ضغطاً داخلياً ضد النظام -إما من السكان أو نتيجة انقسامات داخلية- ويقود إيران في نهاية المطاف إلى الانهيار. غير أن هذا السيناريو سيتطلب على الأرجح حملة طويلة. كما أن هناك خطراً من أن العمق الاستراتيجي والجغرافي لإيران قد يمنع الولايات المتحدة و/أو إسرائيل من تحقيق أهدافهما، ما يسمح للحرس الثوري بتعزيز موقفه أكثر بعد الحملة، وهو ما سيقوض الأهداف الأمريكية المتعلقة بسلوك إيران الإقليمي وقدراتها العسكرية، فضلاً عن احتمال تحمل ترامب تكاليف سياسية مرتفعة.
الخيار الثاني: ضربة محدودة تنفذ بسرعة ودقة وقوة ساحقة مصممة لتوجيه رسالة استراتيجية حادة دون الدخول في حملة طويلة الأمد
الخيار الثاني هو ضربة محدودة تنفذ بسرعة ودقة وقوة ساحقة، مصممة لتوجيه رسالة استراتيجية حادة دون الدخول في حملة طويلة الأمد. ويتماشى هذا مع تفضيل ترامب لتحرك حاسم وسريع يتجنب انزلاق القوات الأمريكية في حملة خارجية واسعة. وقد تشمل الأهداف في هذا السيناريو أصولاً عسكرية عالية القيمة أو قيادات في الحرس الثوري، أو منشآت صاروخية، أو مقار عملياتية رئيسية. وسيكون الهدف إكراه النظام الإيراني القائم بسرعة وبقوة. وستعتمد مثل هذه العملية بشكل كبير على الطائرات الشبحية والذخائر الموجهة بدقة والأصول البحرية بعيدة المدى، مع تقليل زمن التعرض ومحاولة التحكم في التصعيد. ومن الناحية السياسية، سيمنح هذا الخيار ترامب ميزة تحقيق نتيجة مرئية دون الالتزام بعملية مفتوحة النهاية، وهو أمر قد يكون جذاباً قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، في ظل مؤشرات تحذيرية في استطلاعات الرأي للجمهوريين. ومع ذلك، قد لا تكون هذه الاستراتيجية كافية لتغيير سلوك إيران. كما أن تفوق إيران في القوة النارية يمنحها قدرة أكبر على شن هجمات مضادة ضد الأصول الأمريكية، ما قد يؤدي إلى وقوع خسائر أمريكية.
الخيار الثالث: محاولة أكثر تركيزاً لاستهداف قيادات الحرس الثوري بهدف خلق شلل عملياتي أو إثارة صراعات داخلية مستقبلية
الخيار الثالث هو محاولة أكثر تركيزاً لاستهداف قيادات داخل إيران، خصوصاً في الحرس الثوري، بهدف خلق شلل عملياتي و/أو إثارة صراعات داخلية مستقبلية. وقد يشمل ذلك ضربات دقيقة تُمهد الطريق لعمليات خاصة تستهدف قادة رئيسيين أو بنية تحتية حساسة، مثل منشأة تحت الأرض تضم صواريخ باليستية. وسيكون الهدف خلق فراغ قيادي يضعف التنسيق ويفتح المجال لتحولات داخلية، على غرار العملية التي نفذتها الولايات المتحدة ضد فنزويلا. غير أن إزالة قيادات عليا في الحرس الثوري قد تخلق عدم استقرار قصير الأمد في التسلسل الأمني، لكنها قد تأتي بنتائج عكسية عبر تعزيز قبضة الحرس الثوري على السلطة وتكثيف القمع الداخلي، فضلاً عن تعريض أي قوات أمريكية تعمل على الأراضي الإيرانية لخطر جسيم. كما أن استهداف القيادات لا يضمن انهيار النظام أو الامتثال، خصوصاً في دولة مؤسسية وفخورة مثل إيران. فبنية القيادة الإيرانية متعددة الطبقات ولديها آليات خلافة راسخة تم تحسينها منذ حرب يونيو 2025. كما أن الاغتيالات المستهدفة قد توحد الفصائل داخلياً بدل تفكيكها، وتحمل احتمال تصعيد مرتفعاً، إذ ينظر عادة إلى استهداف القيادة على أنه تهديد وجودي.
وتوجد بين هذه الخيارات مسارات أخرى ذات تركيز تكتيكي أضيق. فقد تقرر الولايات المتحدة التركيز حصرياً على مزيد من إضعاف البرنامج النووي الإيراني عبر استهداف منشآت التخصيب ومواقع إنتاج أجهزة الطرد المركزي والبنية البحثية، بل وحتى علماء نوويين أفراد. وفي هذا السيناريو، لن يكون الهدف بالضرورة تغيير النظام أو تفكيكاً شاملاً، بل إعادة ضبط التقدم التقني، بحيث يصبح من شبه المستحيل على إيران التفكير في سلاح نووي خلال العقد المقبل.
غير أن جميع هذه الخيارات تنطوي على خطر رد إيراني، ولا يوجد ضمان لنجاحها، إذ تمتلك طهران مجموعة من خيارات الرد التي قد تُضعف الأهداف الأمريكية أو توسع نطاق الصراع، بما يتجاوز ما هو مقصود.
وحسب تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن مصادر موثوقة، يدرس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تنفيذ ضربة أمريكية محدودة ضد إيران خلال أيام، كخطوة أولى للضغط على طهران، للقبول بمطلب واشنطن «صفر تخصيب»، مع إبقاء خيار التصعيد إلى هجوم أوسع لاحقاً هذا العام إذا فشلت الدبلوماسية أو لم تحدث الضربة الأولى أثراً؛ وهو تصعيد قد يذهب، وفق مداولات داخل الإدارة، إلى حد المساعدة في إسقاط قيادة النظام واستهداف موقع المرشد الأعلى على خامنئي.
خيارات الرد الإيراني
ميدانياً، رفعت إيران جاهزية قواتها إلى أقصى مستوى، ونشرت منصات إطلاق صواريخ باليستية على حدودها الغربية مع العراق -ضمن مدى إسرائيل- وعلى سواحل الخليج لاستهداف قواعد أمريكية وأهداف إقليمية. وأغلقت المجال الجوي دورياً لاختبارات صاروخية، ونفذت مناورات بحرية شملت إغلاقاً مؤقتاً لمضيق هرمز، في رسالة ردع واضحة بشأن قدرتها على تهديد شريان الطاقة العالمي. وفي حال اندلاع الحرب، ستنشر وحدات خاصة من الشرطة والاستخبارات وميليشيا «الباسيج» بملابس مدنية في المدن الكبرى لإقامة نقاط تفتيش ومنع اضطرابات داخلية وملاحقة شبكات يشتبه بارتباطها بجهات أجنبية، في تحسب لرد فعل داخلي قد يستغل الفوضى.
حسب التقدير الاستخباراتي الأمريكي، إذا قررت الولايات المتحدة تنفيذ عمل عسكري ضد إيران، فمن المرجح أن تسعى طهران إلى رد متناسب من حيث الاعتبارات السياسية والاستراتيجية، لا العسكرية البحتة -جزئياً لأن إيران لا تستطيع مجاراة القوة التقليدية الأمريكية. وهذا يعني على الأرجح استهداف قواعد أمريكية في العراق أو الأردن و/أو الخليج، وربما مهاجمة إسرائيل (وهو احتمال شبه مؤكد إذا شاركت القوات الإسرائيلية في الهجوم)، باستخدام مزيج من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وصواريخ كروز، إلى جانب ردود غير متماثلة تستند إلى نقاط قوة إيران النسبية.
حتى بعد تبادل الضربات في يونيو 2025، من المرجح أن تحتفظ إيران بمخزونات كافية من الصواريخ والطائرات المسيرة للرد لفترة أطول وليس لمرة واحدة فقط، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من ترسانتها متنقل وموزع. غير أن التفوق الجوي الأمريكي، والدفاعات الصاروخية متعددة الطبقات، ورغبة إيران في تجنب تصعيد يهدد بقاء النظام، ستقيد حجم وسرعة ردها. لذا فإن الرد الإيراني الأكثر ترجيحاً ليس حرباً تقليدية شاملة، بل هو رد مرحلي وموزع ومحسوب يهدف إلى فرض تكاليف مع تجنب تصعيد غير منضبط.
ومن أكثر الردود الفورية والمرجحة تفعيل الحوثيين في اليمن، الذين أثبتوا بالفعل القدرة والاستعداد لإطلاق طائرات مسيرة وصواريخ باتجاه ممرات بحرية استراتيجية وخطوط الشحن. وفي حال تنفيذ عمل عسكري أمريكي ضد إيران، سيكون تصاعد نشاط الحوثيين في البحر الأحمر نقطة ضغط متوقعة. وقد يشمل ذلك هجمات على سفن تجارية، أو محاولات استهداف سفن ينظر إليها على أنها مرتبطة بمصالح أمريكية أو حليفة، أو جهود لتعطيل تدفقات العبور، بما يرفع التكاليف الاقتصادية العالمية.
كما تُمثل ضربات الحوثيين لمنشآت الطاقة فى الخليج خطر تصعيد إضافى.
وأخيراً، لا تحتاج إيران إلى أن تعكس الضربة الأمريكية بشكل متماثل لتكون فعالة. فحتى إذا تجنّبت قتالاً تقليدياً مباشراً -سواء بقرار سياسي واستراتيجي أو بسبب قيود تقنية ولوجيستية- يمكنها الرد بوسائل أخرى، بما في ذلك إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيرة على قواعد عسكرية إقليمية تضم قوات أمريكية، وزرع ألغام، واستهداف سفن تجارية أو منشآت طاقة بحرية في وحول مضيق هرمز، وتنفيذ هجمات سيبرانية أو عمليات سرية أخرى لفرض تكاليف. وبالتالي، فإن السؤال المركزي ليس ما إذا كانت إيران سترد، بل مدى سرعة تنظيم وتنفيذ هذا الرد - وما إذا كان سيدفع الولايات المتحدة إلى مزيد من التصعيد أو إلى خفضه. وما إذا كان سيؤدي إلى تصعيد إضافي أو احتواء.
تغييرات دراماتيكية بالقيادة الإيرانية
في السياق نفسه، تظهر التحركات داخل طهران أن القيادة تتعامل مع احتمال المواجهة مع الولايات المتحدة باعتباره سيناريو وشيكاً لا افتراضاً بعيداً. فمع تصاعد التهديدات الأمريكية وتواصل المفاوضات النووية في الوقت نفسه، كلف المرشد الأعلى على خامنئي مستشاره الموثوق ورئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، على لاريجاني، بإدارة المرحلة الحساسة، مما جعله عملياً مركز الثقل في القرار السياسي والأمني، ومهمّشاً دور الرئيس مسعود بزشكيان. وحسب مصادر إيرانية مطلعة، توسّعت صلاحيات «لاريجاني» لتشمل الإشراف على قمع الاحتجاجات الأخيرة بالقوة، وضبط الجبهة الداخلية، وإدارة الاتصالات مع موسكو، والتنسيق مع وسطاء إقليميين مثل قطر وعمان، إلى جانب متابعة المفاوضات النووية مع واشنطن والاستعداد لقيادة البلاد في حال اندلاع حرب أو استهداف القيادة العليا.
في موازاة ذلك، وضع خامنئي هندسة خلافة متعددة الطبقات للقيادات العسكرية والحكومية، حيث عيّن بدلاء محتملين لكل موقع رئيسي وطلب من كبار المسؤولين تسمية مرشحين احتياطيين تحسّباً لسيناريو اغتيال أو انقطاع الاتصالات. وخلال الحرب القصيرة مع إسرائيل العام الماضي، سمى ثلاثة مرشحين لخلافته، فيما عزّز دائرة ثقته التي تضم لاريجاني، واللواء يحيى رحيم صفوي، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ومسؤولين أمنيين بارزين. كما أنشئ مجلس دفاع وطني جديد لإدارة شؤون الحرب، في إشارة إلى أن طهران تتعلم من الضربة المفاجئة التي أطاحت بسلسلة قيادات عسكرية عليا في يونيو الماضي.
سياسياً، تناقش القيادة سيناريو «إدارة الطوارئ» إذا قتل خامنئي، مع بروز لاريجاني في الصدارة، يليه قاليباف، وحتى الرئيس الأسبق حسن روحاني ضمن قائمة محتملة لإدارة الدولة. لكن محللين يحذرون من أن خامنئي لا يزال «الغراء» الذي يربط مكونات النظام، وأن غيابه قد يفتح الباب أمام انقسامات داخلية يصعب احتواؤها، رغم كل خطط الطوارئ. وفي الوقت الذي يُكثف فيه لاريجاني ظهوره العلني وزياراته الخارجية -من موسكو إلى عواصم المنطقة- يبدو بزشكيان مستسلماً لتراجع دوره، حتى في قرارات داخلية كرفع قيود الإنترنت، مما يعكس انتقال مركز السلطة فعلياً إلى الدائرة الأمنية المرتبطة بالمرشد.
تعكس هذه التغييرات الدراماتيكية أن طهران تستعد لحرب محتملة على مستويين متوازيين: عسكرياً عبر رفع الجاهزية ونشر الصواريخ وتهديد الملاحة، وسياسياً عبر إعادة ترتيب هرم السلطة وضمان استمرارية الحكم، حتى في أسوأ السيناريوهات. ومع ذلك، يبقى الاختبار الأكبر هو ما إذا كانت هذه البنية الاحتياطية قادرة فعلاً على الحفاظ على تماسك النظام في حال غياب خامنئي، أم أن أي ضربة كبيرة ستكشف هشاشة التوازن الداخلي الذي يحكم الجمهورية الإسلامية.
القرار أم مجرد تموضع؟
بوجه عام، يعكس التموضع الأمريكي اليوم جاهزية واضحة لعمليات عسكرية عالية الكثافة، واستعدادات دفاعية لرد إيراني، والقدرة على التصعيد إذا لزم الأمر. غير أن الحشد العسكري وحده لا يعني أن ترامب اتخذ بالفعل قرار مهاجمة إيران، إذ إن التموضع والقرار ليسا الشيء نفسه. لكنه يخلق مزيداً من الخيارات أمامه، ويزيد مصداقية هذه الخيارات. كما أن هذا الانتشار لا يؤكد أن الحرب وشيكة، لكنه يرفع احتمالية المواجهة -لا سيما في ظل تعثر المفاوضات النووية، والإشارات العسكرية المتوازية والاستعدادات الدفاعية من جانب طهران.
الخلاصة أن شكلاً ما من أشكال العمل العسكري الأمريكي يبدو أكثر احتمالاً من عدمه خلال الأسابيع المقبلة. فالولايات المتحدة تعتمد حالياً وضعية نادرة بنشر مجموعتي «حاملة طائرات» في المنطقة في الوقت نفسه. وعندما تنشر واشنطن مجموعتي «حاملة طائرات» متزامنتين، فإن ذلك لا يكون عادة مهيئاً لضربة عقابية واحدة فقط.
تبدو واشنطن وكأنها تقدم لطهران إطاراً مباشراً: إما الموافقة على المطالب الأمريكية في الاتفاق النووي، وإما مواجهة هجوم أمريكي واسع ومؤلم قد يُهدد بقاء النظام. ولا يزال هناك هامش محدود لخفض التصعيد إذا تمكن الطرفان من إيجاد مخرج. بالنسبة لترامب، يتطلب ذلك اتفاقاً قوياً بما يكفي لتبرير الحشد العسكري الظاهر، دون أن يبدو تراجعاً عن الخطوط الحمراء المعلنة. أما بالنسبة لإيران، فيتطلب الحفاظ على مواقعها الاستراتيجية الأساسية، خصوصاً فيما يتعلق بتخصيب اليورانيوم وبرنامجها للصواريخ الباليستية. في تلك الأثناء لا يملك العالم سوى انتظار ما ستكشف عنه الأيام القادمة. ومع دقات الساعة التي تحمل معها إما الانفراج وإما الانهيار يدرك الجميع حقيقة واحدة، وهي أنه في حال اندلاع حرب بين إيران والولايات المتحدة فإن هذه المرة ستكون حرباً حقيقية قد تستمر لشهور، بينما تبقى تداعياتها لسنوات.
