يسرا زهران تكتب: «نيكولا ساركوزي» اعترافات رئيس سابق من وراء القضبان.. مذكرات الرئيس الأكثر إثارة للجدل والأكثر مبيعا في فرنسا (الحلقة الأولى)
يسرا زهران تكتب: «نيكولا ساركوزي» اعترافات رئيس سابق من وراء القضبان.. مذكرات الرئيس الأكثر إثارة للجدل والأكثر مبيعا في فرنسا (الحلقة الأولى)
يمكنك أن تقول ما شئت عن رئيس فرنسا الأسبق «نيكولا ساركوزي»، لكن أحداً لا يمكنه أن ينكر أنه شخصية مثيرة للاهتمام. إما أن يتحمس له أنصاره بعنف أو يكرهه معارضوه بعنف. ينقسم المجتمع الفرنسي بسببه وهو في السلطة وتنقسم الآراء حوله بعد خروجه منها. وفي كل الحالات، ووسط كل النقاشات والخلافات يخرج هو دائماً المستفيد، حتى لو كان في السجن!
إنه أول رئيس في تاريخ الجمهورية الخامسة في فرنسا يحكم عليه القضاء بالسجن، وأول رئيس يقضي عقوبته فيه، الأمر الذي شكل سابقة تاريخية توقف الفرنسيون كثيراً أمامها، وهم يشهدون بأعينهم سقوط رجل شغل يوماً ما أعلى المناصب القيادية في بلادهم إلى حضيض يشاركه فيه عتاة المجرمين. كان مشهداً دراماتيكياً لا يقل إثارة عن فترة رئاسة «ساركوزي» التي استمرت ما بين عامي 2007 و2012. وفي تلك الفترة، كانت «طلقات ساركوزي»، وسياساته الحادة تثير جدلاً واسعاً بين الفرنسيين، بدفاعه المعلن والعنيف أحياناً عن قيم العلمانية الفرنسية، أو بالنقاش الشهير الذي أطلقه متسائلاً عن «معنى أن تكون فرنسياً»، ومطالباً بسياسات أكثر صرامة فيما يتعلق بالمهاجرين الذين لا يستوعبون قيم المجتمع الفرنسي، والتي أدت لاتهامه في النهاية باتخاذ مواقف متحيزة ضد المهاجرين من شمال أفريقيا تحديداً، أو ضد المسلمين في فرنسا بشكل عام.
إنه الرئيس الفرنسي الذي دفع بشراسة لتدخل حلف «الناتو» لضرب ليبيا وإسقاط نظام «معمر القذافي» في 2011، وبسبب «القذافي» أيضاً، دخل «ساركوزي» السجن بتهمة تلقي أموال من الرئيس الليبي الراحل لتمويل حملته الرئاسية في 2007، حتى قيل إن «القذافي» قد انتقم منه بعد موته!
إلا أن «ساركوزي» وحده يقدر على تحويل «تراب» السجن إلى «ذهب» يتدفق إلى جيبه بعد أن نشر مذكراته حول فترة سجنه في كتاب، كان وما زال يحقق في فرنسا أعلى المبيعات.

دخل «نيكولا ساركوزي» السجن لقضاء عقوبته فيه في أكتوبر 2025، وخرج منه بعد عشرين يوماً في نوفمبر، ونشر كتابه الذي حمل عنوان «يوميات سجين» بعدها بشهر واحد في ديسمبر من العام نفسه.
هذه هي السرعة التي يتحرك بها «ساركوزي» للاستفادة من كل ما يتعرض له، وبنفس تلك السرعة، جذب الكتاب اهتمام آلاف الفرنسيين ممن تزاحموا في حفل توقيع الرئيس الأسبق لكتابه الذي تحولت به مرارة أيامه القصيرة في السجن إلى «حلاوة» المكاسب المادية التي حققها كتابه، والأضواء التي عادت تتألق حوله من جديد بعد أن تخلت عنه في مزيج من الخزي والخذلان والنسيان.
القضية التي دخل «ساركوزي» بسببها السجن تتعلق باتهامات موجهة له بتلقي أموال من نظام الرئيس الليبي الأسبق «معمر القذافي» لتمويل حملته الانتخابية الرئاسية في 2007. هي واحدة ضمن قائمة اتهامات طويلة هزت من صورة الرئيس الفرنسي الأسبق، وضربت هيبته السياسية في مقتل، حتى اعتبر كثيرون أن عودته إلى المشهد السياسي في فرنسا مرة أخرى قد صارت أمراً أقرب إلى المستحيل. تلقى «ساركوزي» حكماً بالسجن لمدة خمس سنوات كعقوبة، والتي دخل بمقتضاها إلى سجن «لا سانتيه» الفرنسي، لكنه خرج من السجن بعد عشرين يوماً بعد أن تم قبول طلب الاستئناف الذي قدمه. وصار من حق الرئيس الفرنسي الأسبق أن يعود لحياته الطبيعية ولكن تحت الرقابة القضائية حتى موعد استئناف قضيته المتوقع في الفترة بين مارس ومايو 2026.
اعتبر «ساركوزي» نفسه إذاً بريئاً بانتظار حكم الاستئناف الذي يبدو واثقاً من أنه لن يثبت إدانته. إلا أنه لم يدخر جهداً، عبر صفحات كتابه التي زادت على المائتين، لكي يثبت براءته أمام محكمة الرأي العام الفرنسي، محولاً كل لحظة مرت به في زنزانته الصغيرة، إلى دهر طويل، ومشهد سينمائي يجتذب به تعاطف المشاهدين «أو القراء»، إزاء فداحة الظلم الذي تعرض له!
من يقرأ كتاب «ساركوزي» وحده دون أن تكون لديه خلفية كافية عن الرئيس الأسبق، يمكن أن يقع بسهولة في فخ تصديق كلماته دون مناقشة. هو يكتب بحرارة وحميمية عن أسرته الصغيرة المكونة من زوجته الجميلة «كارلا بروني» «المطربة الفرنسية الإيطالية الشهيرة»، وأبنائهما الخمسة الذين وقفوا معه صفاً واحداً خلال أزمته. يكشف لحظات ضعفه وخوفه في الأيام الأولى التي أعقبت دخوله السجن، ومشاعره الإنسانية التي تحاول التكيف مع وضعه الجديد وسط أصدقاء يتباعدون عنه حرصاً على مصالحهم، ومن كانوا يوماً ما خصوماً له قبل أن يظهروا له تأييداً غير متوقع في وقت الشدة. يكتب كل ذلك بعبارات توحي بأنها تقطر صدقاً، تختلف كثيراً عن حدة عباراته التي كان يعبر بها عن مواقفه السياسية، لكنها تظل كاشفة عن حدة ذكائه الذي يعرف به كيف ينتقي العبارات المناسبة، بحيث يظل من يقرأه متعلقاً بكتابه حتى آخر سطر، إما تأثراً به، وإما لإيجاد ثغرة تهدم هذا البناء المحكم الذي وضعه للدفاع عن نفسه!
لقد كان «ساركوزي»، وما زال يمتلك القدرة على إعادة رسم وترتيب الحقائق والأمور حتى تخرج في النهاية لصالحه. عندما كان رئيساً لفرنسا، كان مدافعاً شرساً عن قيم العلمانية فيها، حتى لو وصل به الأمر، كما اتهمه البعض، إلى التعدي على بعض الحريات الدينية كما حدث إثر قراره بمنع النقاب أو غطاء الوجه «البرقع» في الأماكن العامة، قائلاً قولته الشهيرة «إن البرقع غير مرغوب فيه في فرنسا». لكنه في مذكراته، يتحول إلى إنسان يدرك قيمة الروحانية، ويجد ملاذه في الصلاة واللجوء إلى قوة عليا قائلاً بعبارات مؤثرة وهو يحكي عن صبيحة اليوم الذي سيتوجه فيه إلى السجن: «أنا لا أمارس الطقوس الدينية بشكل منتظم، ولست حتى مسيحياً نموذجياً، لكن بما أنه قد صار مقدراً عليّ أن أحمل صليباً على كتفي «في إشارة لتحمله الظلم ومعاناة السجن كما يرى» فلا بد أن أفعل ذلك وأنا أحاول أن أرتقي روحانياً. لم يكن هناك الكثير من الأنباء الجيدة في تلك الفترة، بحيث يمكنني أن أسمح لنفسي بتجاهل أدنى إشارة إيجابية. وقال لي عدد من الأصدقاء إن ذلك الانغلاق الذي فُرض عليّ سيمنحني الفرصة لكي أبصر النور بشكل أفضل، لذا كان من المناسب أن أسمح لنفسي بالشعور بهذه النعمة. لم أخبر أحداً بذلك الأمر، لكنني فكرت في تلك اللحظة من حياتي بالتحديد، أن الصلاة يمكن أن تكون عوناً ثميناً. كان هذا الإحساس جديداً بالنسبة لي، ولم أكن لأرفض أي دعم لمواجهة هذا الظلم، خاصة لو كان هذا الدعم مقدماً من السماء».
ويتابع «ساركوزي» في يومياته كسجين: «أخذت معي «في طريقه للسجن» تلك السيرة الرائعة لحياة «يسوع المسيح» التي كتبها «جان كريستيان بيتيفيس». كانت كل صفحة فيها تدعوني للتأمل والتفكير، لإعطاء معنى للأشياء ولكي أفهم أنه لا شيء يحدث بالصدفة أو بلا جدوى. صار عندي أمل أن هناك معنى خفياً ما وراء هذه الملهاة الدراماتيكية. كان الخيار بسيطاً، إما أن أنهزم أمام هذه المحنة وتكون النهاية، أو أن تسير بي في اتجاه أن أصبح إنساناً أفضل. وقررت أن أتبنى الجانب المشرق من هذا الاختيار، أو أن أحاول ذلك على الأقل».
ويغادر «ساركوزي» بيته في طريقه إلى السيارة التي ستقله إلى السجن، في مشهد تابعته كاميرات وسائل الإعلام الفرنسية بنهم، ووصف بعضها الرئيس الفرنسي الأسبق بأنه كان يظهر فيه صلابة أقرب إلى اللامبالاة. إلا أن «ساركوزي» يقدم في مذكراته صورة أكثر إنسانية لرجل يمسك بيد زوجته التي ظلت معه لأكثر من 18 عاماً، تكتم دموعها وتغالب وجعها وهي تحتضنه، لتشعره بأن تلك المحنة لن تقدر على كسرهما، وإنما ستمثل قمة التلاحم بينهما، بذلك التفاهم الذي كان يربط دائماً بينهما حتى من دون الحاجة لكلمات. ثم يجد أنصاره ومحبيه الذين يحيطون بمنزله وهم يصفقون بحرارة تحية له، أو يشدون بالنشيد الوطني الفرنسي على نحو تلقائي، بينما لا يقدر هو على تحمل نظراتهم المتعاطفة، فيلقي بنفسه إلقاءً داخل السيارة التي تنتظره، واصفاً تلك اللحظة قائلاً: «كم تمنيت في هذه اللحظة أن أختفي. كان إحساس الحزن بداخلي عارماً وجارفاً. لم يكن من السهل أن أظل صامداً، والآن أتذكر ساخراً تلك المقالات التي تحدث فيها أصحابها عن صلابتي المزعومة. لو كانوا فقط يعلمون كم شعرت بالضعف في هذه اللحظات بالذات».
ثم يصل «ساركوزي» إلى سجن «لا سانتيه» الفرنسي الذي سيقضي فيه مدة عقوبته، والذي يقول عنه إنه رآه فقط في الأفلام أو في التقارير المصورة، لكنه لم يره قط على الطبيعة رأي العين. وفي اللحظة التي تحركت فيها بوابة السجن الثقيلة لاستقبال أول رئيس جمهورية يتحول إلى سجين فيها، دارت العديد من الأفكار في ذهن «ساركوزي». قال: «أخذت أفكر في مدى سخرية الموقف، وفي تلك الحياة العجيبة التي عشتها. لماذا كان عليّ أن أحيا وأمر بتلك المواقف شديدة التطرف؟ كنت أستعد لتلقي رقمي كنزيل في السجن رقم 320535. هذا هو التعريف الذي سأحمله من الآن فصاعداً. قبل ذلك اليوم بأربعة أيام فقط كنت «نيكولا ساركوزي»، الرئيس الأسبق للجمهورية الفرنسية، الذي يستقبله الرئيس الحالي «إيمانويل ماكرون» في قصر «الإليزيه» مقر الحكم. هل يمكن لأحد تصور تناقض أكثر من هذا؟ كنت بحاجة لأن «أقرص» نفسي حتى يمكنني تقبل أن هذا واقع يحدث بالفعل، لكن الحقيقة أنني لم أتقبله». لكن ما كان ينتظر «ساركوزي» داخل السجن نفسه كفيل بإفاقته.
يحكي الرئيس الفرنسي الأسبق: «تم اتخاذ القرار بإيداعي داخل القسم الذي يضم السجناء الأكثر خطورة، والتي تفرض خطورتهم عزلهم بشكل كامل. كان جيراني المستقبليون مزيجاً من الإرهابيين الإسلاميين والمغتصبين والسفاحين وتجار المخدرات! وبينما أسير في الممر المؤدي لزنزانتي، ساد صمت ثقيل، إلى حد أنني ظننت أن الزنزانات الإحدى عشرة الأخرى خاوية، لكنها لم تكن كذلك. أحاط بي أفراد الأمن في السجن، وقال لي قائدهم بابتسامة لطيفة: أنا متشوق للكلام عن كرة القدم مع سيادتكم، على الرغم من أنني من مشجعي فريق «مارسيليا» «ساركوزي» من كبار مشجعي الفريق المنافس في الدوري الفرنسي «باريس سان جيرمان»».
يصف «ساركوزي» زنزانته في السجن قائلاً عنها: «لم أكن بحاجة لأكثر من إلقاء نظرة بسيطة لأرى كل شيء. لم تكن مساحة الزنزانة تزيد على 12 متراً مربعاً. في داخلها فراش صلب مثبت للحائط، ومكتب صغير من الخشب، وثلاجة وصنبور للاستحمام وطبق لتسخين الطعام. بدأت في الشعور بالشفقة على نفسي، وأدركت أنه من الممكن جداً أن أتحول إلى أعدى أعداء ذاتي. كنت بحاجة لفعل أي شيء حتى لا أترك نفسي فريسة للغم أو تصيبني شدة الحزن بالجنون، حتى لو كان ذلك هو القيام بفعل بسيط مثل ترتيب الفراش. قلت لنفسي إن ذلك الحد الأدنى الموجود في الزنزانة سيكون درساً جيداً بالنسبة لي، وأنه بمجرد خروجي من السجن سوف يزداد تقديري لمنزلي وفراشي ووسائل الراحة المادية المتوافرة لي، كل تلك الأشياء التي كنت بالأمس فقط أعتبرها بلا أهمية، ولكنها تكتسب بعداً آخر تماماً في عالم زنازين السجن».
ويتابع: «إلا أنني في لحظة ما، ارتكبت خطأً فادحاً عندما أردت فتح إحدى النوافذ لتهوية زنزانتي. ما إن فعلت ذلك حتى اخترقت سمعي ضوضاء تصم الآذان آتية على ما يبدو من طابق الزنازين الذي يقع أسفل مني. لم أكن قادراً على تحديد مصدر هذه الضوضاء ولا طبيعة تلك الصرخات. بدا من الواضح أن بعض جيراني الجدد في السجن ليسوا في أفضل حالاتهم العقلية، أحدهم ظل يضرب قضبان زنزانته بأداة معدنية بشكل متواصل لفترة بدت لي بلا نهاية. بدا الجو كله عدائياً يفوح برائحة التهديد، كأنه يقول لي: مرحباً بك في الجحيم! سارعت بإغلاق النافذة وقررت أن تهوية الغرفة ليست أولوية في الوقت الحالي»!
بالفعل، كانت تلك الضوضاء التي سمعها «ساركوزي» من سجناء آخرين أدركوا وصول الرئيس الأسبق إلى سجنهم وقرروا الترحيب به على طريقتهم. ووفقاً لما يحكيه «ساركوزي»، فقد كان هناك العديد من المخاوف حول سلامته الشخصية وأمنه داخل السجن، حتى إن المسئولين عن الأمن فيه أبلغوه أنه لا يمكن له الخروج لتلقي الزيارات العائلية أو لممارسة الرياضة في الساعة المسموح له بها إلا بعد التأكد من أن كل المساجين الآخرين محبوسون في زنازينهم، وأنه لا يوجد أحد يمكن أن يقابله في طريقه، ووجه مسئولو السجن إنذاراً شديد اللهجة للرئيس الأسبق قائلين له بوضوح إنه لا ينبغي عليه تبادل الحديث ولا أي نوع من أنواع التواصل مع أي أحد آخر سواهم طيلة فترة سجنه.
تلك العزلة الإجبارية ربما يكون وقعها صعباً على أي إنسان عادي، لكن تأثيرها يكون أشد وقعاً بكثير على رجل اعتاد أن يكون هو محور الأحداث، والمركز الذي تنجذب إليه الأبصار والاهتمام. يقول «ساركوزي» واصفاً ذلك الإحساس: «بعد كل تلك الأعوام العديدة من اللقاءات، والتواصل الإنساني، واللقاءات والمقابلات في أطراف العالم الأربعة، والحشود الغفيرة التي كانت تحيط بي إما لتحيتي أو حتى للصراخ في وجهي، كان من الممكن أن تتحول هذه الوحدة المفروضة عليّ إلى أمر صحي، لكن بشرط أن أنجح في التكيف معها، أن أتعلم كيف أتعايش مع نفسي في مساحة لا تزيد على 12 متراً مربعاً، هل يمكنني أن أحقق الاكتفاء الذاتي من نفسي. أتعشم إذاً أن تكون المناقشات التي ستدور بيني وبين «قريني» في الزنزانة مناقشات بناءة»!
في تلك اللحظة، وحتى لا يظل «ساركوزي» حبيساً لأفكاره وعقله الباطن وأصواته الداخلية أو «قرينه»، قرر أن يجلس إلى المكتب الخشبي الصغير في زنزانته ويبدأ يكتب تجربته في صفحات تحولت فيما بعد إلى هذا الكتاب الذي حمل عنوان «يوميات سجين». ذلك النشاط أو الكتابة هو الذي جعل أمسياته في السجن تمضي دون أن يصاب بالجنون، وإن كان يقول إنه في كل مرة كان يجلس فيها إلى ذلك المكتب الخشبي الصغير، كان يتذكر مكتب مؤسس الجمهورية الفرنسية «شارل ديجول»، الذي كان يجلس هو عليه في فترة رئاسته لفرنسا لخمس سنوات، واصفاً ذلك الإحساس بأنه «درس جديد يعلمه التواضع، ما بين العظمة والانهيار»!
لكن هدوء الأمسيات لم يكن كافياً حتى هبوط الليل الذي وجد «ساركوزي» فيه نفسه في مواجهة فزع من نوع جديد. يحكي الرئيس الفرنسي الأسبق عن الليالي الأولى الأكثر صعوبة التي مرت به في السجن قائلاً: «في الليل كان الظلام دامساً. وصارت الضوضاء الآتية من الزنازين الأخرى أكثر وضوحاً وصخباً. استطعت أن أميز وسط تلك الصرخات عبارات التهديد الواضحة التي كان يتم توجيهها لي صراحة. كنت وحدي. وحراس السجن الملازمون لي خلال النهار قد عادوا إلى منازلهم، وعلمت أن عدد الحراس الليليين في هذا السجن الذي يضم 1100 سجين من السجناء الأكثر خطورة في فرنسا ليس بالكثير. لم يكن هذا الأمر مطمئناً على الإطلاق، خاصة وسط ذلك الجو العدائي الذي كان في استقبالي منذ وصولي للسجن». ماذا فعل «ساركوزي» ساعتها إذاً؟ قام بتصرف إنساني طبيعي جداً في تلك الظروف وأخذ يصلي!
يقول في مذكراته: «وسط ذلك الجو اليائس والمحمل بالتهديد، شعرت فجأة بحاجة إلى أن أجثو على ركبتي على طرف سريري وبدأت في الصلاة. لم أتخذ قراراً فعلياً بذلك أو أختاره، كنت قد فكرت من قبل في دخولي السجن وتخيلته حتى، لكنه الآن أصبح أمراً واقعاً بالفعل. ظللت على هذه الحال لدقائق طويلة، ولم أشعر بمرور الوقت. ظللت أصلي وأدعو حتى تكون لديّ القوة لكي أحمل صليب ذلك الظلم. كان أثر ذلك عليّ جيداً، وشعرت بنفسي أكثر قوة وطمأنينة. ماذا لو كانت الصلاة هي الطريق للصمود والمقاومة؟ قررت ساعتها أن ألجأ إليها كلما شعرت باحتياجي لها. كانت تلك هي التجربة الإيجابية الأولى في حياتي كسجين. لم أخبر أحداً بهذا الأمر، لأنني كنت سأشعر بالحرج، وبتحفظ شديد تجاه هذا الموضوع. دائماً، عندما كان الأمر يتعلق بالمسائل الحميمية أو الهامة، كان من الأسهل بالنسبة لي الكتابة أكثر من الحديث عنها. طيلة حياتي، كنت أستخدم الكلام والحديث بسهولة كأداة لفرض السيطرة، إلا أنه لا بد من الاعتراف أنه في حالتي، كانت الكتابة هي الوسيلة الطبيعية للاعتراف. تلك التجربة الروحية جعلتني أشعر بالسعادة في نهاية ذلك اليوم المشئوم. وكان هذا في حد ذاته، انتصاراً كبيراً».