أشرف غريب يتذكر: حكايات النصر في مبنى ماسبيرو
أشرف غريب يتذكر: حكايات النصر في مبنى ماسبيرو
نحن الآن في رمضان 1373 هجرية الموافق نهاية سبتمبر وبداية أكتوبر 1973 ميلادية، والإذاعة المصرية -وقت أن كان للإذاعة حضورها القوي- تحشد أفضل ما لديها لجذب أذن المستمع خلال الشهر الكريم، إذاعة الشرق الأوسط تنجح في استقطاب عبدالحليم حافظ ليقدم مسلسله الإذاعي الوحيد «أرجوك لا تفهمني بسرعة» أمام نجلاء فتحي وعادل إمام، وإذاعة صوت العرب تنفرد بالمذكرات الصوتية الوحيدة لكوكب الشرق أم كلثوم، وإذاعة البرنامج العام تحرص على المسلسل الفكاهي للثنائي الناجح فؤاد المهندس وشويكار، الذي حمل في تلك السنة عنوان «دنيا بنت دنيا» بمشاركة النجم الصاعد بسرعة الصاروخ هاني شاكر.. وفجأة تغير كل شيء.
لم يكن موظفو مبني ماسبيرو وهم يغادرون المبني العتيق في الواحدة من بعد ظهر السادس من أكتوبر العاشر من رمضان، بحسب المواعيد الخاصة بهذا الشهر، يعرفون أنهم لن يستطيعوا دخول المبني والجلوس على مكاتبهم في الأيام التالية، بل إن أحدا من الفنانين والفنيين لم يكن يعرف في تلك الساعة أنه لن يستطيع أيضا مغادرة المبني، فبعد أقل من ساعة وقبل الثانية ظهرا كان كل شيء قد تبدل تماما، وتحول مبني الإذاعة والتليفزيون إلى ثكنة عسكرية لا يخرج منه أحد ولا يقربه زائر انتظارًا للحدث العظيم، إنه العبور إلى الضفة الشرقية للقناة ورفع العلم المصري على خط بارليف، في تلك الأجواء تعددت الحكايات وتواترت الروايات عن ظروف العمل في المبني في أيام من المفترض أن لها استعداداتها الخاصة في شهر رمضان، لكن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
في تلك الأثناء لم تجد الإذاعة المصرية أغنيات جديدة تناسب الحدث الجلل الذي أحيط بسرية تامة، فاعتمدت في الأيام الأولى على ما لديها من أغنيات وطنية قديمة، وأذكر أن المخرج يوسف شاهين روى لي -كما روى لغيري- أنه لما لاحظ اعتماد الإذاعة على أغنياتها الوطنية السابقة قرر إهداءها أغنية فيلم «العصفور» «رايات النصر» المعروفة إعلاميا بـ«شايلين في إيدنا سلاح»، وعبثا حاول دخول المبني يومي السادس والسابع من أكتوبر لكنه فشل، ومع ذلك لم ييأس ونجح أخيرا ظهر الثامن من أكتوبر في التسلل من الباب الجانبي «باب 8 حاليا» وقدم للمسئولين هذه الأغنية التي سدت فراغا كبيرا في الخريطة الإذاعية في تلك الأيام الأولى.
ويحكي الإعلامي الراحل وجدي الحكيم الذي كان مسئولا في ذلك الوقت عن التسجيلات الغنائية بالإذاعة أن الموسيقار بليغ حمدي وزوجته حينها المطربة وردة حاولا دخول المبني لتقديم أغنية «على الربابة باغني» لكنهما فشلا أيضا، فهدد بليغ بتقديم بلاغ في قسم الشرطة، أما عبدالحليم حافظ ومن حسن حظه فقد كان موجودا بالفعل داخل المبني من أجل استكمال تسجيل بقية حلقات «أرجوك لا تفهمني بسرعة»، وبمجرد أن سُمح لبليغ ووردة والشاعر عبدالرحيم منصور بالدخول افترش الجميع سلالم المبني، وتحولت غرف الإذاعة إلى غرف للبروفات، بعد أن تم استدعاء الفرق الموسيقية وأفراد الكورال لتظهر أعذب وأنبل الأغنيات الوطنية التي عرفتها مصر على الإطلاق.
وروى الفنان سمير صبري أن برنامجه الشهير «النادي الدولي» كان الوحيد الذي بقي على الخريطة في تلك الأثناء، حيث كان يتم الاستفادة منه في التسجيل مع أسرى الجيش الإسرائيلي، وكثير من لقاءات الجبهة الداخلية، ومن ثم كان البرنامج هو قاعدة تصوير وإطلاق الأغنيات الوطنية الجديدة، وأن تصوير أغنية «على الربابة» تم بكاميرا «النادي الدولي» حتى تتم إذاعتها في أسرع وقت، واتفق الجميع على أن أحدا منهم لم يكن يهتم لا بإفطار ولا بسحور، وكانوا يسدون رمقهم بأقل القليل ويواصلون صيام اليوم التالي، حتى خفت حدة الاستحكامات الأمنية، فكانت المطربات وخاصة شادية وفايدة كامل وأيضا بعض المذيعات يأتين من منازلهن بأصناف الطعام على الإفطار في تكاتف رائع وأجواء وطنية تبعث على الحماس، ولم يفكر أحد في تقاضي أي أجر مقابل تلك الأغنيات ولا سيما بليغ حمدي وعبدالحليم حافظ وعبدالرحيم منصور أكثر من قدموا أغنيات عن نصر أكتوبر العاشر من رمضان.