محمود مرزوق يكتب: قارئ النصر
محمود مرزوق يكتب: قارئ النصر
رغم تبدُّل الزمان واختلاف ذائقة الناس وانصرافهم عن وسائل الإعلام التقليدية لصالح الإعلام الرقمى، فإن إذاعة القرآن الكريم ما زالت تحظى بشعبية واسعة بين عموم المستمعين فى مصر والعالم الإسلامى. وبحلول شهر رمضان، يلتف الملايين بشغف حول أثير الإذاعة كل يوم قبيل المغرب فى انتظار عَلَم جديد من أعلام دولة التلاوة، تطرب له الآذان وتخفق لعذوبة صوته القلوب.
وحسناً فعلت إذاعة القرآن هذا العام باختيار تلاوة عطرة للشيخ محمد أحمد شبيب لتذاع عاشر أيام الشهر الفضيل، كان قد تلاها فجر العاشر من رمضان، قبيل ساعات من لحظة العبور المجيد. حين كانت مصر تستعد لأعظم وأخطر معاركها لاسترداد أرضها وكرامتها، انطلق صوت الشيخ شبيب يتلو آيات من سورة آل عمران؛ فكانت التلاوة إشارة ربانية وبشارة نصر ستبقى فى ذاكرة المصريين إلى الأبد.
والشيخ شبيب، الذى يلقبه محبوه بلقب «شبيب العجيب»، ولد فى الخامس والعشرين من أغسطس عام 1934 بقرية دنديط فى محافظة الدقهلية، ونشأ فى أسرة أحبت كتاب الله فحفظه منذ صغره. فى عام 1951 التحق بمعهد الزقازيق الدينى، وهناك تتلمذ على يد الشيخ محمد إسماعيل وأتقن أحكام التجويد، وبرزت موهبته حتى طلب منه أساتذته افتتاح اليوم الدراسى بالتلاوة. وفى عام 1964 اعتُمد قارئاً رسمياً بالإذاعة المصرية، ليجد نفسه وسط كوكبة من عمالقة التلاوة كالشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ عبدالباسط عبدالصمد والشيخ محمد صديق المنشاوى، فازداد وهجاً وتألقاً واكتسب مكانة خاصة فى قلوب الملايين.
وحين جاء فجر أكتوبر المجيد وتلا آيات آل عمران عبر الأثير، ثم انتصرت مصر وعبرت قواتها قناة السويس، أجمع الناس على أن صوته كان إيذاناً بالنصر، فلازمه لقب «قارئ النصر» حتى آخر أيامه.
ولم تكن مسيرته حكراً على مصر، إذ كان أول قارئ مصرى يتلو القرآن فى المسجد الأقصى المبارك عام 1994 بعد قيام السلطة الفلسطينية، بدعوة من الرئيس ياسر عرفات. كانت هذه الرحلة بمثابة عناق روحى بين مآذن الأزهر وقباب الأقصى؛ فحين اعتلى الشيخ دكة القراء فى «الجمعة اليتيمة» من رمضان، ساد صمت رهيب قطعه انطلاق صوته الرخيم مفسراً لآيات سورة الإسراء، وكأن الكلمات تجسدت حية تروى معجزة الإسراء. لم يتمالك المصلون أنفسهم أمام «العُرَب» الصوتية الدقيقة والقفلات المتقنة التى اشتهر بها، فتعالت التكبيرات وصيحات الإعجاب التى هزت جنبات المسجد واختلطت بدموع الحنين، فى مشهد جسّد وحدة الأمة وتعلُّقها بكتاب الله. وقد كرّمه الرئيس عرفات آنذاك بشهادة تقدير ووسام السلطة الفلسطينية تقديراً لمكانته.
وفى الثالث من أبريل 2012، انتقل الشيخ إلى رحمة الله، تاركاً إرثاً روحياً ثرياً من التسجيلات، وصوتاً خالداً يشهد على لحظات فارقة من تاريخ أمتنا، ليبقى «شبيب العجيب» دائماً هو «قارئ النصر».