عبلة وشحاتة.. عودة الضحكة والانتصارات

خالد ناجح

خالد ناجح

كاتب صحفي

في موسمٍ باتت فيه الدراما والإعلانات ساحةً لاستدعاء الذاكرة الوطنية، لم يكن ظهور حسن شحاتة ممثلاً لانتصارات الرياضة، وعودة عبلة كامل بوجهها الإنسانى الدافئ، مجرد لقطات عابرة على الشاشة. كان الأمر أقرب إلى استعادةٍ واعية لرمزين تشكّلا في وجدان المصريين، أحدهما صنع الفرح في الملاعب، والآخر صنع الدهشة والصدق في البيوت.


ليس من السهل أن تختصر مسيرة المعلم في إعلان أو مشهد تمثيلي، فالرجل الذي قاد منتخب مصر إلى ثلاثية تاريخية في بطولات الأمم الأفريقية (2006 - 2008 - 2010) لم يكن مجرد مدرب ناجح، بل كان لحظة وحدة وطنية في زمنٍ كان المصريون يبحثون فيه عن سببٍ جماعي للفرح، فظهوره ممثلاً لانتصارات الرياضة لم يكن قائماً على الأداء الدرامي بقدر ما كان قائماً على الرمزية فقط. يكفي أن يطلّ بملامحه الواثقة، بنبرته الحاسمة التي نتذكرها مع كل مباراة للمنتخب، فتستدعي الذاكرة أصوات الجماهير في استاد القاهرة، ودموع الفرح، وصورة الكأس وهي ترتفع في سماء الوطن، وهنا يصبح «شحاتة» نصاً بصرياً قائماً بذاته، لا يحتاج إلى كتابة مُعقَّدة، فظهوره الأخير لم يكن داخل المستطيل الأخضر وعلى الخط، بل كان يلعب دوره الحقيقي، وهو دور القائد والقدوة الذي يعرف كيف يحوّل الانكسار إلى انتصار، فالرسالة كانت واضحة، وهي أن الرياضة ليست مباراة، بل مشروع أمل في زمن تتراكم فيه الضغوط، فيصبح استدعاء صورة الانتصار ضرورة نفسية قبل أن يكون ترفاً إعلانياً.


الذكاء في هذا الظهور أنه لم يُقدَّم بوصفه بطلاً فردياً، بل بوصفه رمزاً لروح الفريق، وكأن الإعلان أو المشهد يقول إن مصر حين تتكاتف «تفوز»، وهذه الفكرة، في سياق اجتماعي واقتصادي معقد، ليست مجرد رسالة تسويقية، بل خطاب معنوى موجَّه إلى وجدان الناس.


على الضفة الأخرى، تأتي عبلة كامل، التي لم تكن يوماً نجمة بريق، بل نجمة تقدم الصدق، فمنذ «لن أعيش في جلباب أبي» وحتى أدوارها في السينما والدراما بعد ذلك، كانت تمثل شريحة واسعة من المصريين الذين يرون أنفسهم في تفاصيلها الصغيرة.


عبلة كامل ليست ممثلة تؤدي دوراً، بل حالة إنسانية، فحين تعود للظهور يعود معها زمن كانت فيه الدراما أكثر بساطة، وأكثر التصاقاً بالحياة اليومية. ملامحها التي لم تتغير كثيراً، ونبرة صوتها التي تحمل خليطاً من الحنان والحزم، تخلق إحساساً بالأمان.

وهذا الإحساس هو السلعة الأغلى في زمن القلق، وفي ظهورها الأخير لم تكن تقدم أداءً استعراضياً، بل كانت تكتفي بأن تكون «هى»، وهذا تحديداً سرّها، فهي لا تحتاج إلى مبالغة، ولا إلى مؤثرات، يكفي أن تنظر إلى الكاميرا بعينين صادقتين، فتشعر أنك أمام أمٍ أو جارة أو قريبة.


اللافت أن عودتها لم تُستقبل باعتبارها مجرد حدث فني، بل باعتبارها «عودة الروح»، فمواقع التواصل امتلأت بتعليقات تستدعي أدوارها القديمة، وتربط بينها وبين ذكريات شخصية، مثل مشهد بكى فيه المشاهد، جملة علقت في الذاكرة، ضحكة خرجت من القلب.


قد يبدو الجمع بين حسن شحاتة وعبلة كامل في مقال واحد أمراً غريباً للوهلة الأولى، لكنهما في الحقيقة يمثلان وجهين لعملة واحدة، وهى الوجدان الجمعى للمصريين، فالأول صنع فرحة عامة في الشارع، والثانية صنعت دفئاً خاصاً في البيت. شحاتة رفع الكأس، وعبلة رفعت قيمة البساطة، وكلاهما لم يكن ابن لحظة عابرة، بل ابن مسيرة طويلة من العمل والالتزام وفى زمنٍ تُنتج فيه المنصات نجوماً سريعين «تيك أواي» يأتينا ظهور هذه الأسماء ليُذكِّرنا بأن النجومية الحقيقية لا تُقاس بعدد المتابعين، بل بعمق التأثير، فالمعلم لم يكن «ترند»، وعبلة كامل لم تكن «ظاهرة رقمية»، لكنهما بقيا في الذاكرة لأنهما ارتبطا بلحظات صدق.


وهنا يكون استدعاء هذه الرموز استثماراً في الحنين، لكن الحنين هنا ليس هروباً من الحاضر، بل محاولة لإعادة وصل ما انقطع من ذكريات جميلة. وحين يظهر حسن شحاتة نتذكر أن الانتصار ممكن، وحين تظهر عبلة كامل نتذكر أن البساطة فضيلة، ويبقى ظهور حسن شحاتة وعبلة كامل علامة على أن مصر ما زالت تحتفظ برموزها الحقيقية، رموز لا تحتاج إلى ضجيج كي تثبت حضورها، لأن حضورها متجذر في ذاكرة الملايين.


فالرياضة التي مثلها شحاتة ليست مجرد أهداف تُسجَّل، بل كرامة وطنية تُستعاد، والفن الذي مثلته عبلة كامل ليس مجرد مشاهد تُعرض، بل إنسانية تُحكى.