رمضان المقالب
على مدار سنوات طويلة شكلت «برامج المقالب» جزءاً من خريطة البث التليفزيوني في شهر رمضان. رحلة «المقالب» بدأت ببرنامج «كاميرا خفية» قدمه كل من فؤاد المهندس وإسماعيل يسري، وظهر بعدهما نجوم آخرون تصدوا لتقديم هذا اللون الرمضانى المحبب، مثل الفنان الراحل محمود الجندى، وحسين مملوك، ومنير مكرم، وفتحي سعد، ومصطفى درويش، وطلعت زكريا، ويظل الفنان المبدع الراحل «إبراهيم نصر» هو أكثر من قدم برامج المقالب وأبدع فيها، وقد ابتكر العديد من الشخصيات الشهيرة التي جسدها داخل هذه البرامج، مثل شخصية غباشي النقراشي، وزكية زكريا، والشندويلي وغيرها.
أكثر ما كان يميز هذه البرامج هو الطابع المحلي إلى حد كبير، فأغلب الأفكار التي تدور حولها الحلقات محلية مستقاة من الثقافة المصرية وطبائعنا كشعب، بعضها مستنسخ نعم من برامج شبيهة أجنبية، لكن الحلقات التي تنحو هذا المنحى قليلة، وقد اعتمدت كل نسخة من برامج المقالب على كفاءة مقدمها ومن يشاركه تنفيذ المقلب، وقد امتاز كل اسم من الأسماء السابقة بقدرة بديعة على تمثيل المقلب على الشخص الذى يسوقه حظه للوقوع فيه، وقد تميزوا جميعاً بخفة دم واضحة جعلت حلقاتهم قادرة على الإضحاك حتى هذه اللحظة، ساعدهم في ذلك الأفكار المثيرة التي تمثل موضوع المقلب، وأجاد في إنتاجها أسماء مهمة مثل شامخ الشندويلى، وعلى العسال.
الحلقات التي قد تراها وتضحكك اليوم من هذه البرامج كانت بالأمس محل نقد من كثيرين. فقد اتهمها البعض بأنها تسخر من المواطن وتهزأ به، وتقدمه في صورة سلبية، والأمر في تقديرى لم يكن كذلك، فالبرامج كان هدفها الإضحاك، والسخرية قد تكون من الذات، ويصح أيضاً أن تكون من الآخر. الانتقادات التي وجهت إلى هذه البرامج هى التي دفعت المرحوم إبراهيم نصر إلى أن يسأل «ضحية المقلب» -بعد نهاية الفقرة- السؤال الشهير الذى تحول إلى «إفيه»: «الفقرة دى اتسجلت.. لو حابب نذيع قول.. لو موش حابب منذيعش».. وبالتالي كان البث يتم بموافقة صاحب المقلب، حتى يبرئ منتج البرنامج ذمته، وأغلب الناس كانت تقبل الإذاعة انطلاقاً من أن الموضوع ضحك في ضحك، ومن يكره أن يضحك؟
حققت هذه البرامج شعبية كبيرة طيلة العقود الماضية، وأنتج منها عشرات الحلقات على مدار العديد من المواسم، واعتبرها الجمهور جزءاً لا يتجزأ من خريطة التليفزيون في رمضان، وكانوا يحرصون على مشاهدتها وقت بثها، يتراصون أمام التليفزيون ويتابعون المقلب، وبعده يأخذون في التعليق الضاحك عليه. ورغم تواصل هذه البرامج حتى فترة قريبة فإن الزخم المرتبط بها بدأ يقل، وأخذت شعبيتها في التراجع، ولم تعد قادرة على الإضحاك كما كانت، ربما بسبب ضعف الأفكار، أو جريان العمر بالنجوم الأساسيين الذين كانت تعتمد عليهم، وظهور آخرين أقل قدرة منهم، وقد بدأت برامج أخرى بأفكار جديدة وبشباب جدد في الظهور، تتفاوت في نسب نجاحها، لكن يبقى أن أياً منها لم يحصد الشعبية التي حصدتها برامج المقالب التي تزاحمت بها شاشة التليفزيون خلال حقبة التسعينات من القرن الماضى، والحقبتين الأولى والثانية من القرن الجديد.