أشرف غريب يكتب: المحتال الذي نصب على يوسف وهبي في الشهر الكريم
رغم أن الفنان يوسف وهبي كان ينتمي إلى أسرة أرستقراطية من كبار عائلات محافظة الفيوم، ووالده كان يحمل رتبة الباشوية ويعمل في واحدة من الوظائف العليا، فإنه عاش طويلاً حياة المتصعلكين، سواء في مصر أو في أوروبا أثناء دراسة الفن في إيطاليا قبل أن يعود إلى مصر ويؤسس فرقة رمسيس التي بدأت عروضها في مارس 1923، فكانت نقطة تحول مهمة في تاريخ المسرح المصري.
وربما تفسر هذه الحياة المتصعلكة لماذا مر «وهبي» بمراحل فقر وثراء، صعود وهبوط، نجاح وفشل، ولماذا عمل في كثير من المهن، ودخل في العديد من التجارب الفنية والشخصية، حتى إنه حينما قرر كتابة مذكراته، وضعها تحت عنوان «عشت ألف عام» التي صدرت عن دار المعارف في ثلاثة أجزاء ضخمة خلال عقدي الستينات وبداية السبعينات.
وفي مذكراته، تعرض يوسف وهبي لبعض المواقف التي حدثت له في شهر رمضان، من بينها هذه الحكاية التي تعرض فيها لعملية نصب مبيتة ومع سبق الإصرار والترصد، ولم يذكر «وهبي» في أي رمضان حدثت له هذه الواقعة، أو في أي مرحلة عمرية أو فنية لكنه -بكل تأكيد- كان قد قطع شوطاً لا بأس به من الشهرة والذيوع، وكون كثيراً من الصداقات مع الأسماء الكبيرة في عالم الفن، ومن بينهم الموسيقار محمد عبدالوهاب الذي أتى «وهبي» على ذكره في تلك الواقعة.
ومن يدري لربما كان «عبدالوهاب» أيضاً قد تعرض لعملية نصب مماثلة من ذلك المحتال المحترف الذي تعرف على عميد المسرح العربي على مقهى الفيشاوي في إحدى الليالي الرمضانية، وأذكر أن الفنانة أمينة رزق قالت لي ذات مرة إن أستاذها يوسف وهبي لم يكن ذلك الرجل الذي يبدو حاذقاً حاد الطباع، وإنما كان إنساناً بسيطاً يتسم بالطيبة ورقة القلب، ومن السهل أن ينخدع في الآخرين، ولا يتورع عن مساعدة كل من يلجأ إليه، وقد أوقعته طيبة قلبه في كثير من المواقف المحرجة مع أعضاء فرقته أو حتى مع أشخاص لم يكن يعرفهم من قبل، ويبدو أن أمينة رزق كانت محقة في نظرتها لأستاذها الذي عرفته عن قرب، فإن ملابسات ما حدث ليوسف وهبي في تلك الليلة الرمضانية وما تلاها من أيام تؤكد ذلك، فماذا حدث في ذلك الرمضان البعيد؟ يقول عميد المسرح العربي:
«كنت من عشاق التردد على الحي الشعبي؛ حي الحسين، وكنت من أهم زبائن قهوة الفيشاوي، حيث كنا نمضي سهرات رمضان في سمر ومرح وضحك. وتبادل القفشات والنكات، وفي إحدى الليالي، اقترب مني شاب أسمر فارع الطول أنيق الثياب، وادعى أنه أمير دارفور ويسره أن يتعرف بي، وقربته من مجلسي ومن سهراتي ودعوته كثيراً إلى منزلي، وكان الشاب ذلق اللسان حلو الحديث، وكان أصدقائي من أهل الفن يحترمونه ويقدرونه، لأنني أحترمه وأقدره، وكانت سهراتنا في الفيشاوي لا تخلو من هذا الأمير الشباب فارع الطول - ولأول مرة في حياتي أقع بين براثن محتال خطير، زارني ذات صباح وطلب مني سلفة كبيرة حتى يصله مندوب والده الملك ومعه المدد الكبير، ولم يكن يدور بخلدي بعد أن عاشرته أكثر من أسبوع أنه ينصب عليّ، فناولته ما طلب وتواعدنا على اللقاء في الفيشاوي لقضاء السهرة كالعادة، ولكنه لم يحضر السهرة، وحضر بدلاً منه ضابط بوليس يريد القبض عليه لأنه محتال».
وقد أعاد يوسف وهبي ذكر الواقعة لمجلة «الجيل» في منتصف الخمسينات، وكشف أن ضابط الشرطة الذي أتى إلى مقهى الفيشاوي كشف له في تلك الليلة أن ذلك المحتال أمير دارفور سابقاً قد اعتاد النصب بهذه الحيلة على عدد من المشاهير، وأنه لم يكن أول ضحاياه، لكنه لا يعرف إن كان قد تم القبض عليه لاحقاً أم لا، وإن كان قد رجح عدم تمكن الشرطة من توقيفه، وإلا كانت قد استدعت «وهبي» للتعرف على المحتال وربما استعادة ما كان قد أقرضه من مال.