ولاء الصبان تكتب: حكمة القرار في زمن الأزمات

كتب: محرر

ولاء الصبان تكتب: حكمة القرار في زمن الأزمات

ولاء الصبان تكتب: حكمة القرار في زمن الأزمات

في لحظات الأزمات الكبرى تتجلى قيمة القيادة السياسية، حيث تفرض إدارة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسها، بوصفها صمام أمان يحفظ للدولة توازنها وسط محيط إقليمي مضطرب، تتسارع فيه الأحداث وتتشابك المصالح وتتعاظم التحديات، وفي هذا المشهد شديد التعقيد، برزت حكمة القرار المصري كأحد أهم عوامل الاستقرار في المنطقة؛ إذ تنتهج الدولة منذ سنوات رؤية متكاملة تقوم على تحقيق التوازن بين حماية الأمن القومي والمضي قدمًا في مسار التنمية الشاملة، وهو ما يتجلى بوضوح في طريقة التعاطي مع التطورات المتلاحقة، وآخرها التصعيد المرتبط بالحرب الإيرانية وتداعياتها الإقليمية.

لقد أدركت القيادة المصرية مبكرا أن المنطقة مقبلة على موجات من الاضطراب، سواء بسبب النزاعات المسلحة أو التوترات الجيوسياسية أو الصراعات بالوكالة، ومن هنا جاء التحرك المصري قائما على أساس ثابت يتمثل في الحفاظ على الدولة الوطنية، وعدم الانجرار إلى صراعات مباشرة، مع العمل الدبلوماسي المكثف للحفاظ على الاستقرار الإقليمي.

هذه المقاربة المتزنة جنّبت مصر الكثير من التبعات السلبية التي دفعت دول أخرى أثمانًا باهظة نتيجة الانخراط غير المحسوب في أزمات معقدة.

وفي الوقت الذي كانت فيه بعض الدول تنشغل بصراعات داخلية أو حسابات ضيقة، ركزت مصر على بناء قدراتها الذاتية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن قوة الدولة في الداخل هي صمام أمانها في الخارج، فشهدت البلاد طفرة غير مسبوقة في مشروعات البنية التحتية، من طرق ومحاور قومية ومدن جديدة، إلى مشروعات الطاقة والإسكان والتنمية الزراعية، هذه المشروعات كانت ركيزة أساسية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في مواجهة أي هزات خارجية.

وفي سياق متصل، جاء تطوير القوات المسلحة المصرية كجزء أساسي من استراتيجية الردع وحماية الأمن القومي، فقد حرصت القيادة السياسية على تنويع مصادر التسليح، وتحديث منظومات الدفاع الجوي والبحري والبري، بما يضمن قدرة الجيش المصري على حماية حدوده البرية والبحرية في ظل بيئة إقليمية شديدة الحساسية، هذا التطوير لم يكن موجّهًا للاعتداء أو التصعيد، بل لترسيخ معادلة الردع التي تمنع أي طرف من التفكير في تهديد المصالح المصرية أو المساس بأمنها.

ومع تصاعد التوترات في المنطقة، خاصة في ضوء الحرب الإيرانية وتداعياتها على ممرات الملاحة والطاقة وأسواق الغذاء، اتضح مدى أهمية توجيهات القيادة بشأن تأمين السلع الاستراتيجية، فقد عملت الدولة خلال السنوات الماضية على تعزيز المخزون الاستراتيجي من القمح والوقود والسلع الأساسية، وتوسيع قدرات التخزين وإنشاء صوامع حديثة، إلى جانب التوسع في مشروعات الاستصلاح الزراعي، وهذه الإجراءات الاستباقية وفّرت مظلة حماية للمواطن المصري في أوقات شهدت فيها أسواق عالمية تقلبات حادة وارتفاعات غير مسبوقة في الأسعار.

ولم تغفل القيادة أهمية تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي في قطاعات حيوية، فشهدت مصر طفرة في إنتاج الغاز الطبيعي وتحولت إلى مركز إقليمي لتداول الطاقة، الأمر الذي عزز من مكانتها الاقتصادية والسياسية في آن واحد، كذلك تم دعم الصناعة الوطنية وتشجيع الاستثمارات، بهدف تقليل الاعتماد على الخارج في ظل عالم باتت فيه سلاسل الإمداد عرضة للانقطاع بسبب النزاعات والحروب.

وعلى الصعيد السياسي، تبنّت مصر خطابًا عقلانيًا يدعو إلى خفض التصعيد والحلول الدبلوماسية، مع التأكيد الدائم على ثوابت السياسة الخارجية المصرية القائمة على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، هذا الموقف المتزن عزز من صورة مصر كدولة رشيدة تسعى إلى الاستقرار لا الفوضى، وإلى البناء لا الهدم، وهو ما أكسبها تقديرًا واسعًا في المحافل الإقليمية والدولية.

إن ما نشهده اليوم من تماسك داخلي وقدرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية والسياسية، لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج سنوات من التخطيط والعمل المتواصل وفق رؤية استراتيجية واضحة، فالتنمية لم تكن رفاهية، وتطوير الجيش لم يكن خيارًا مؤجلًا، وتأمين السلع لم يكن إجراءً مؤقتًا، بل كانت جميعها توجيهات واعية تستشرف المستقبل وتستعد للأسوأ قبل حدوثه.

وفي ظل التطورات المتلاحقة والحرب الإيرانية وما تفرضه من تحديات على الإقليم بأسره، تبدو مصر ثابتة في موقعها، متماسكة في جبهتها الداخلية، وقادرة على حماية مصالحها دون تهور أو اندفاع، إنها معادلة صعبة بين القوة والحكمة، بين الردع والبناء، بين الحزم و العقلانية، وهي معادلة تؤكد أن القيادة السياسية المصرية تسير بخطى محسوبة، واضعة نصب أعينها هدفًا واحدًا، وهو حماية الدولة وصون مقدرات شعبها وضمان مستقبل آمن للأجيال القادمة.