رضا فرحات يكتب: مصر والاستعداد للعاصفة

كتب: محرر

رضا فرحات يكتب: مصر والاستعداد للعاصفة

رضا فرحات يكتب: مصر والاستعداد للعاصفة

تعيش المنطقة العربية مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية مع التحولات الجيوسياسية، وتتسارع فيها التطورات العسكرية والأمنية بصورة غير مسبوقة، وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تبرز أهمية رؤية القيادة السياسية القادرة على قراءة المشهد بدقة، واستباق التحديات، وحماية مقدرات الدولة الوطنية، وهنا تتجلى حكمة القيادة المصرية في إدارة الملفات الإقليمية والدولية برؤية استراتيجية بعيدة المدى.

لقد أثبتت الأحداث المتلاحقة في الإقليم من تصاعد الصراعات المسلحة، إلى إعادة تشكيل التحالفات الدولية، أن مفهوم الأمن القومي لم يعد يقتصر على حماية الحدود فقط، بل بات يشمل الأمن الاقتصادي والغذائي والمائي، وأمن الطاقة، والاستقرار المجتمعي ومن ثم فإن الدولة التي لا تستعد مبكرا، تدفع كلفة مضاعفة لاحقًا.

في هذا السياق، قاد السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي مسارًا واضحًا لإعادة بناء ركائز الدولة المصرية، وعلى رأسها تحديث وتطوير القوات المسلحة المصرية، لم يكن هذا التوجه ترفا سياسيا أو استعراضا للقوة، بل كان استجابة واعية لواقع إقليمي يزداد اضطرابا، وحدود جغرافية تمتد عبر بؤر توتر ملتهبة في الاتجاهات الاستراتيجية كافة.

لقد أدركت القيادة المصرية مبكرا أن الحفاظ على السلام يتطلب امتلاك قوة رادعة تحميه، ومن هنا جاءت استراتيجية تنويع مصادر التسليح، وتحديث منظومات الدفاع الجوي والبحري والبري، وتطوير القدرات التكنولوجية والاستخباراتية، بما يعزز من جاهزية الجيش المصري لمواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية، فالجيش القوي ليس أداة حرب، بل هو صمام أمان للاستقرار، ورسالة طمأنة للشعب، وعامل توازن في الإقليم.

الاستعداد المبكر في مجال التسليح لم يكن بمعزل عن رؤية شاملة لإعادة بناء الدولة فقد تزامن ذلك مع مشروعات قومية كبرى، وإصلاحات اقتصادية هيكلية، وإعادة صياغة دور مصر الإقليمي بما يعكس ثقلها التاريخي والجغرافي، لأن الدولة الحديثة لا تقوم على ركيزة واحدة، بل على توازن بين القوة الصلبة والقوة الناعمة، بين التنمية والأمن، وبين الداخل المستقر والدور الخارجي الفاعل.

وعلى مستوى التأثيرات الإقليمية، أثبتت التجارب أن الدول التي انهارت مؤسساتها العسكرية أو أضعفت جيوشها، دخلت في دوامات من الفوضى والانقسام، ومن هنا، فإن الحفاظ على تماسك الدولة الوطنية المصرية يمثل ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة بأسرها، مصر ليست دولة هامشية في معادلات الشرق الأوسط، بل هي قلبه الجغرافي والسياسي، وأي اهتزاز فيها ينعكس مباشرة على محيطها العربي والإفريقي.

إن قراءة المشهد الراهن تكشف بوضوح أن القرارات التي قد تبدو مكلفة في لحظتها، قد تكون هي الضمان الحقيقي لتفادي كلفة أكبر في المستقبل، وهذا هو جوهر الحكمة السياسية: القدرة على اتخاذ القرار الصعب في الوقت المناسب، قبل أن تفرضه الظروف بشكل قسري.

إن حماية الأمن القومي المصري مسؤولية تاريخية تتطلب يقظة دائمة، وتخطيطا استراتيجيا، وإرادة سياسية حاسمة وقد أثبتت السنوات الماضية أن الدولة المصرية، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، اختارت طريق الاستعداد لا الانتظار، وبناء القوة لا الارتهان، وترسيخ الاستقرار لا المجازفة به، وفي ظل عالم يتغير بسرعة، تبقى الدولة التي تحسن قراءة المتغيرات، وتستثمر في أمنها الشامل، هي الأقدر على حماية شعبها وصون سيادتها وهنا تكمن الرسالة الأهم: أن القوة الرشيدة، حين تقترن بالحكمة السياسية، تصبح ضمانة للاستقرار، وأداة لصناعة السلام، وحائط صد أمام العواصف التي تعصف بالمنطقة.


ولا يمكن إغفال أن فلسفة بناء القوة التي انتهجتها الدولة المصرية لم تكن موجهة ضد أحد، بل كانت رسالة استراتيجية واضحة مفادها أن مصر قادرة على حماية خياراتها الوطنية وصون قرارها السيادي وأن الدول التي لا تمتلك أدوات الردع تصبح ساحة لصراعات الآخرين، أما الدولة التي تملك قوة متوازنة ومدروسة فإنها تفرض احترامها وتتحرك من موقع الشريك لا التابع لذلك فإن تطوير القدرات العسكرية المصرية في عهد السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي أعاد صياغة موقع مصر في معادلات الإقليم، ورسخ مبدأ أن الاستقرار لا يمنح، بل يحمي بالقوة الرشيدة والرؤية الواعية و أصبح القرار المصري أكثر استقلالا، والحركة الدبلوماسية أكثر تأثيرا، لأن خلفها دولة تعرف كيف تحمي حدودها، وتصون مصالحها، وتدير توازناتها بثقة واقتدار.