حكمة الصوم

حديث مطوَّل عن «حكمة الصوم» قدمه الإمام عبدالحليم محمود في كتابه عن «شهر رمضان»، ذكر في البداية بعض الأفكار التقليدية عن أهمية الصوم لتعليم الإنسان الصبر، ودفع الغني للإحساس بالفقير، ودور الصوم في تعليم الإنسان التحرر من العبودية للطعام والشراب والعادات التي درج عليها والتي يُحرَم منها في نهار رمضان، وأشار الشيخ إلى أن البعض يتجاوز هذه الأفكار التقليدية ويقول إن الصوم ليس له حكمة معينة سوى أن الله تعالى فرضه على المؤمنين. يقول الشيخ: «فحكمة الصوم لا نعلمها، ذلك أنه عبادة، والعبادة في الكثير من تفاصيلها لا نعلم لها حكمة»، ومع ذلك يرى الشيخ أنه لا يصح أن ننفض يدنا من بيان الحكمة في الصوم.


يتجه الشيخ عبدالحليم محمود إلى استخلاص حكمة الصوم من القرآن الكريم، فذلك هو الأولى والأوجب، فالله تعالى قال في كتابه الكريم: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ». فالحكمة الأساسية من وراء الصوم تتمثل في الوصول بالصائم إلى منصة التقوى، إذ يتعلم من خلاله كيف يتقي الخالق العظيم في أقواله وأفعاله، وحركاته وسكناته، يتعلم الإنسان، من خلال الصوم، كيف يتقي الله وهو تحت الضغط، ضغط الحرمان من الطعام والشراب وأطايب الحياة.


ويقول الشيخ عبدالحليم محمود: وعبّر القرآن بكلمة «لعل» في الآية (لعلكم تتقون) ولم يقطع أو يجزم بأن ثمرة الصوم، لا محالة، تحقق التقوى، لأن الصوم يعد ثمرة التقوى للصائم، إنه إعداد وتهيئة، إن مثله بالنسبة للصائم كمثل زارع تعد له الأرض وتهيأ، وتعطى له محروثة، وما عليه سوى أن يتصرف حسبما يريد، فإن شاء ألفى فيها البذر، وإن شاء تركها مهملة، حتى تصبح غير صالحة للزراعة، فإذا ما تعهد الإنسان نفسه، التي أعدت بالصوم، وانتهى إلى التقوى، كان جزاؤه عند الله عظيماً».


دعنى أكرر لك ما قلته بأن القيمة الكبرى للصوم تتمثل في تمكين المؤمن من أن يدرب نفسه على تقوى الله وهو تحت الضغط، ضغط الحرمان، تجد هذا المعنى حاضراً في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كانَ يومُ صومِ أحدِكم فلا يرفُث يومئذٍ ولا يصخب، فإن شاتمهُ أحدٌ أو قاتلهُ فلْيقُل: إنّى امْرُؤٌ صائِمٌ». فتذكير النفس بأنها في مربع الصوم يدفع المؤمن إلى الحذر من الوقوع في أى معصية عظمت أو صغرت. فالتقوى هى التقوى في النهاية، ومعناها تحصين الذات من المعصية، واتقاء ما حرم الله، ومراقبة الخالق العظيم في السر والعلانية، وإخلاص الطاعة لله تعالى.


تربية النفس على التقوى تمثل الحكمة الكبرى للصوم، في هذا السياق تستطيع أن تفهم حديث النبي الذي يقول فيه: «كُلُّ عملِ ابْنِ آدَمَ لهُ إِلاَّ الصِّيام، فَإِنَّهُ لِى وأَنَا أَجْزِى بِهِ».