د. سامح شراقي يكتب: حين يتحوّل الشكر إلى منهج حياة

كتب: محرر

د. سامح شراقي يكتب: حين يتحوّل الشكر إلى منهج حياة

د. سامح شراقي يكتب: حين يتحوّل الشكر إلى منهج حياة

في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث وتتبدّل فيه الأحوال، يكثر سؤال الإنسان: لماذا تزول النِّعم؟ ولماذا تتحوّل بعض المنح إلى محن؟ هذا السؤال القديم يجد جواباً عميقاً..

ففي رسالة تراثية موجزة كتبها الإمام القاضي تاج الدين السبكي بعنوان «معين النِّعم ومبيد النِّقم»، الذي على الرغم من صغر حجم الكتاب، إلا أنه يقدّم رؤية أخلاقية متكاملة حول فلسفة الشكر، وعلاقته ببقاء النعمة وزوالها، مؤكّداً أن مفتاح السعادة الفردية وصلاح العمران الاجتماعي يبدأ من فهمٍ صحيحٍ للنعمة وحسن التعامل معها.

فالكتاب رسالة تربوية تُخرج الشكر من دائرة اللفظ إلى رحابة المنهج، فالنعمة في تصور السبكي ليست مجرد عطاء مادي، بل هي حالة شاملة يعيشها الإنسان في كل تفاصيل حياته: في صحته، وأمنه، وأهله، وعلمه، ومكانته، بل وحتى في قدرته على الطاعة والعمل. ومن هنا يؤسس الكاتب قاعدة واضحة: النِّعم تُحفَظ بالشكر، وتزول بالجحود، مستنداً إلى الوعد الإلهي: «لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ».

لكن ما الشكر؟ لا يرضى السبكي في طرحه بالفهم الذي يحصر الشكر في كلمة «الحمد لله»، بل يقدّمه بوصفه منظومة متكاملة تقوم على ثلاثة أركان: اعتراف القلب بالفضل، ونطق اللسان بالحمد، واستعمال الجوارح في ما يُرضى المنعِم. ولا يقف الكاتب عند حدود الرخاء، بل يمتد إلى لحظات البلاء، فحتى المحنة قد تحمل في طياتها منحة خفية، إما بتكفير ذنب، أو رفع درجة، أو تنبيه غافل، ومن هذا المنظور يصبح الصبر لوناً من ألوان الشكر، لأنه اعتراف بحكمة الله في تدبير الأمور، وثقة في أن العطاء قد يتجلّى في صور لا يدركها الإنسان من الوهلة الأولى.

ويقدّم الكتاب بعداً مجتمعياً حين يربط بين الشكر الفردي وصلاح المجتمع، فالنعمة إذا استُعملت في الخير أثمرت استقراراً وطمأنينة، وإذا أسيء توظيفها تحوّلت إلى سبب اضطرابٍ وضيق، ومن لا يحسن شكر ما بين يديه، لا يُؤمَن عليه المزيد، فالزيادة مشروطة بالحفاظ، وبقاء النعمة رهين بحسن استعمالها.

إن الناظر في أحوال الناس اليوم يرى كم نحن بحاجة ماسة إلى استعادة هذه الرؤية العميقة للشكر، فكثيرون يملكون المال الوفير لكنهم يعيشون في قلق دائم، وآخرون يملكون الصحة والعافية لكنهم لا يشعرون بطعم الحياة، ذلك لأن النعمة حين تُقطع عن مصدرها الإلهي، وحين تخلو من روح الشكر، تتحول إلى عبء ثقيل بدلاً من أن تكون مصدر سعادة وطمأنينة.

ففي زمن تُقاس فيه القيمة غالباً بكمّ ما نملك، يعيد «معين النِّعم ومبيد النِّقم» توجيه البوصلة إلى كيف نستخدم ما نملك، فالوفرة لا تعني دوام الخير، كما أن الحرمان لا يعني نهاية الأمل، فالفارق الحقيقى يكمن فى وعى الإنسان بالنعمة، وحسن تعامله معها. لهذا بقيت هذه الرسالة حيّة عبر القرون، لأنها لا تخاطب ظرفاً تاريخياً عابراً، بل طبيعة بشرية ثابتة: الميل إلى الغفلة عند الاعتياد، وإلى الشكوى عند الفقد، وبين هذين الحدّين يرسم السبكي طريقاً ثالثاً: طريق الشكر الدائم، الذي يحفظ النعمة، ويبدّد النقمة، ويصنع إنساناً متوازناً يدرك أن الخير ليس في كثرة العطاء فحسب، بل في حسن تلقّيه وتوظيفه.


مواضيع متعلقة