من واقع مسلسل فن الحرب.. كيف تحوَّلت السجون إلى مراكز متحضرة للإصلاح والتأهيل؟
من واقع مسلسل فن الحرب.. كيف تحوَّلت السجون إلى مراكز متحضرة للإصلاح والتأهيل؟
كتب: محمد بركات وأمنية سعيد
شهد موسم دراما رمضان لعام 2026 حضورًا لافتًا لمشاهد السجون التي برزت كعنصر درامي محوري ومحرك للأحداث في عدة أعمال، وعلى رأسها مسلسل فن الحرب؛ إذ لم يقتصر دور السجن في هذه الأعمال على كونه مكانًا تقليديًا للعقاب، بل تحوَّل إلى بيئة خصبة لإحداث تحولات جذرية في تركيبة الشخصيات، مما فتح آفاقًا واسعة لتطورات درامية كبرى غيَّرت مسار الحكايات بشكل كلي.
إبراز الصورة الإيجابية للسجون في الدراما
وفي مسلسل فن الحرب بطولة يوسف الشريف، ظهر «زياد» ويؤدي شخصيته يوسف الشريف، يجلس مع والده «توفيق إبراهيم سعيد» أثناء زيارته في مركز الإصلاح والتأهيل، وخلال المشهد ظهرت نظافة وتطور مراكز الإصلاح التأهيل المصرية وحسن معاملة النزلاء وتنظيم زيارات المدنيين.
أما في مسلسل الست موناليزا الذي تؤدي ببطولته الفنانة مي عمر، فإن السجن يشغل مساحة درامية أوسع تتسم ببعد إنساني وعاطفي أيضًا وأبرزت حسن معاملة النزلاء داخل السجون، وذلك بعدما انجرفت البطلة خلف القضبان إثر تهمة قتل لفقها لها زوجها وعائلته في مكيدة مدبرة، وتعيش البطلة داخل المحبس أصعب لحظات حياتها، بدءًا من الحكم عليها بالسجن سنة مع الشغل، وصولاً إلى الانهيار النفسي وفقدان جنينها، فضلاً عن تلقيها الخبر الفاجع بوفاة والدها وهي مكبلة خلف الجدران دون أن تتمكن من وداعه، مما يغرقها في حالة من الانهيار التام والندم العميق. وتزدحم المشاهد داخل الزنزانة بتفاصيل مؤثرة، تجسدت في زيارات زوجها ووالدته اللذين يحاولان استعطافها بانتهازية للحصول على أرضها، ليرسم المسلسل صورة تراجيدية تمزج بين آلام الفقد وصراعات البقاء ومشاعر القهر الإنساني.
كما يبرز السجن في مسلسل رأس الأفعى كأداة درامية جوهرية تتجاوز مفهوم العقاب التقليدي، حيث يتم توظيفه لكشف الأيديولوجيات الحقيقية للجماعة الإرهابية، مع تقديم صورة إيجابية ومسؤولة عن مراكز الإصلاح والتأهيل المصرية كحائط صد يحمي الأمن الوطني ويحد من تفشي الفكر المتطرف، ويظهر هذا الدور جليًا عبر تقنية «الفلاش باك» في عدة حلقات، لا سيما الحلقة التي توثق اجتماع محمود عزت «شريف منير» مع شباب التنظيم داخل محبسهم في أعقاب إعدام سيد قطب، حيث تعمدت الصورة الإخراجية إظهار السجن في إطار من النظام والنظافة، بعيدًا عن كليشيهات الفوضى أو التعذيب، لتسليط الضوء على الانضباط المؤسسي والهدف الإصلاحي للدولة.

تطور مراكز الإصلاح والتأهيل في مصر
وفي هذا السياق، فقد شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة، نقلة نوعية في ملف السجون، التي تحوَّلت إلى مراكز الإصلاح والتأهيل، حيث انتقلت من الصورة التقليدية التي ارتبطت بالعقاب والعزل الاجتماعي إلى نموذج حديث يركز على الإصلاح والتهذيب وإعادة دمج النزلاء في المجتمع، ويأتي التطور في إطار استراتيجية وزارة الداخلية، التي وضعت المؤسسات العقابية في مقدمة أولوياتها باعتبارها جزءًا أساسيًا من منظومة العدالة الجنائية والتنمية المستدامة.
وأغلقت وزارة الداخلية عددًا من السجون القديمة التي لم تعد تتناسب مع المعايير الحديثة، وتم إنشاء مجمعات إصلاحية جديدة مجهزة بأحدث الوسائل، تضم ورشًا للتدريب المهني، وفصولًا للتعليم، ومراكز للرعاية الطبية والنفسية، هذه المجمعات تمثل نقلة في البنية التحتية، حيث صُممت لتكون بيئة أكثر إنسانية وأقرب إلى المعايير الدولية، بما يضمن للنزيل حياة كريمة خلال فترة العقوبة.
التطور لم يكن إنشائيًا فقط، بل شمل تغييرًا في فلسفة العقوبة نفسها، فالعقوبة لم تعد مفهومًا مرتبطًا بالعزل أو الانتقام، بل أصبحت وسيلة لإعادة البناء الإنساني، لذلك تم إدخال برامج تعليمية ومهنية للنزلاء، إلى جانب أنشطة ثقافية وفنية، بهدف إعادة بناء الثقة بالنفس وتوفير بيئة تساعد على التغيير الإيجابي، كما توسعت الدولة في تطبيق الإفراج الشرطي، بما يتيح للنزلاء الاندماج التدريجي في المجتمع بعد قضاء جزء من العقوبة.
ومن أبرز ملامح التطوير أيضًا الاهتمام بالرعاية الصحية داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، حيث تم إنشاء وحدات طبية مجهزة وتوفير أطباء متخصصين، إلى جانب الاهتمام بالصحة النفسية للنزلاء، كما تم تعزيز آليات الرقابة لضمان الالتزام بحقوق الإنسان، وإدخال أنظمة رقمية لمتابعة النزلاء وتطوير أساليب الإدارة بما يحقق الشفافية والانضباط.
البرامج الإصلاحية شملت التدريب على الحرف والمهن المختلفة، بما يتيح للنزلاء فرصاً للعمل بعد انتهاء فترة العقوبة، فضلاً عن توفير أنشطة ثقافية وفنية تساعد على إعادة اكتشاف الذات، هذه البرامج تهدف إلى إعادة دمج النزيل في المجتمع كمواطن صالح قادر على الإنتاج والمشاركة في التنمية.
واللافت أن هذا التحول بدأ ينعكس في الأعمال الدرامية، إذ ظهرت صورة السجن أو مراكز الإصلاح والتأهيل في بعض المسلسلات الحديثة مثل فن الحرب وموناليزا بشكل حضاري يعكس أنه أصبح مركزًا للإصلاح والتهذيب، وهو ما يتقاطع مع الواقع الجديد الذى تسعى الدولة لترسيخه.
من جانبه، قال اللواء عادل مخلوف، مساعد وزير الداخلية الأسبق، إنّه يمكن القول إن مصر دخلت مرحلة جديدة في إدارة ملف السجون، مرحلة تقوم على تحويل العقوبة إلى فرصة للإصلاح، وإعادة دمج النزلاء في المجتمع، مشيرا إلى أنّ الخطوات التي اتخذتها الدولة في السنوات الأخيرة تمثل نقلة نوعية في هذا المجال، وتؤكد أن العقوبة لم تعد نهاية المطاف، بل محطة لإعادة البناء والانطلاق من جديد.