أشرف غريب يكتب: ماكياج أنور وجدي الذي أعانه على العطش
أشرف غريب يكتب: ماكياج أنور وجدي الذي أعانه على العطش
كان الفنان الراحل أنور وجدي واحداً من أهم فتيان الشاشة الذين عرفهم تاريخ السينما المصرية، بل إنه كان واحداً من خمسة فقط يمكن أن نعتبرهم نجوم الشباك بحسب التعبير الهوليوودي، وهم النجوم الذين يأتي لهم الجمهور دون النظر إلى أي عناصر أخرى مشاركة في العمل، أنور وجدي كان واحداً من هؤلاء الخمسة مع كل من ليلى مراد وعبدالحليم حافظ وسعاد حسني وعادل إمام. كان الفنان الراحل المولود على الأرجح سنة 1911 مثالاً للحيوية والشباب وخفة الروح والحركة، ونموذجاً يحتذى به الكثيرون من شباب جيله، وقد تعرض الرجل لظلم شديد، وسعي دائم لتشويه صورته دون سند حقيقي، أو معرفة من المستفيد من هذا التشويه، قالوا مثلاً إنه كان بخيلاً لديه شهوة جمع المال، بينما كان الرجل في الحقيقة سخياً في إنفاقه على أعماله التي تشهد على ذلك، راغباً طول الوقت في الوصول إلى النجاح، وباذلاً المستحيل حتى لا يحيد عنه، وادعوا أيضاً أنه في سعيه لجمع المال كان يتمنى أن يأخذ منه الله صحته ويعطيه الثروة، وأخذوا يتندرون على هذه الواقعة حين أعطاه الله المال وأصيب بالورم الخبيث، وهذا كله للأسف غير صحيح.
المهم أنه حينما بدأ المرض اللعين يشتد على أنور وجدي، كان يحاول أن يخفي ضعفه عن الآخرين، وقد عثرت على قصة مهمة تتعلق بشهر رمضان حكتها زميلته الفنانة عقيلة راتب التي شاركته بطولة فيلم «طلاق سعاد هانم» تؤكد ما تحمله هذا الفنان في سبيل الحفاظ على صورته عند الناس، تقول عقيلة:
كان المرحوم أنور وجدي شديد الحرص على تأدية فريضة الصوم، وكان لا يتخلى عن أدائها حتى في أيام العمل المرهقة، ولكنه في الأعوام الأخيرة من حياته لم يكن يصوم عملاً بمشورة الأطباء، وكان يخجل من أن يظهر الإفطار، فكان يدعي الصوم، وكنا جميعاً نعرف هذا ونتظاهر بأننا مصدقون أنه صائم، وفي أحد الأيام شعر «أنور» بعطش شديد أثناء قيامه بالعمل في الاستديو، فنادى أحد مساعديه وهمس في أذنه بحديث لم نسمعه، وبعد لحظات سمعنا المساعد يصيح: «إيه ده يا أستاذ أنور إزاي تحط ماكياج وإنت صايم؟ إنت مش عارف إن الماكياج يفطر؟».
وتظاهر «أنور» بالغضب وصاح في مساعده يقول: (طيب مش كنت تقول لي يا أخي من الأول! كده فطرتني غصب عني؟ أمري لله!» ثم أمسك بكوب ماء وتجرعه حتى آخره... ثم وضعه وهو يقول: «أستغفر الله العظيم»، ولم يحاول أحد أن يقول لأنور إننا كلنا نضع الماكياج ونحن صائمون.. رحمة الله عليه.
ومن الأقدار الغريبة أن تصادف رحيل أنور وجدي في مايو 1955 في شهر رمضان من عام 1374 هجرية أثناء رحلة علاجه بالعاصمة السويدية، وتحكي الفنانة ليلى فوزي التي كانت زوجته في ذلك الوقت ورفيقته في رحلته الأخيرة أنهما وصلا السويد في أبريل من العام نفسه، وكان أنور رغم شدة المرض لا يزال في كامل تركيزه، وحينما حل شهر رمضان وهما هناك، أصر على الصيام رغم برنامج العلاج الذي وضعه له الأطباء السويديون، ورغم أن الشمس في السويد لا تكاد تغرب، أو تغرب في نهاية اليوم، كان «أنور» يعاند ويصمم على الصيام ويؤكد للجميع أنه بصحة جيدة ويستطيع الصيام، حتى أتت له ليلى فوزي برجل دين مسلم من الجالية التركية هناك ليقنعه بأن الله قد أحل له الإفطار، وأن بإمكانه تعويض ما يفوته من أيام حينما يمن الله عليه بالشفاء، فكان «أنور» يصوم يوماً ويفطر أياماً، إلى أن دخل في الغيبوبة الأخيرة وعاش على المحاليل الطبية قبل أن تصعد روحه إلى السماء وهو دون الرابعة والأربعين من عمره، وذلك في الأيام الأخيرة من الشهر الكريم الذي كان الفنان الراحل حريصاً على صوم أيامه. هذا هو أنور وجدي الذي ظلمناه كثيراً.