الذكاء الاصطناعي يحدث ثورة في «تقنيات الحروب».. والبقاء للأذكى

كتب: محمد مجدي

الذكاء الاصطناعي يحدث ثورة في «تقنيات الحروب».. والبقاء للأذكى

الذكاء الاصطناعي يحدث ثورة في «تقنيات الحروب».. والبقاء للأذكى

في ركن هادئ ومنزوٍ خلف الجدران السميكة لإحدى المؤسسات البحثية المرموقة في قلب العاصمة الأمريكية واشنطن، لم يكن الصمت السائد يعكس رتابة المكاتب التقليدية فحسب، بل كان صمتاً محتشداً بالترقّب. فهناك، وتحت أضواء خافتة تنعكس على طاولات مستديرة اجتمع حولها نخبة من جنرالات ببدلاتهم العسكرية، وخبراء تقنيون، كانت الشاشات العملاقة تستعرض ما هو أكثر من مجرد أرقام وإحصائيات، إنها ملامح «ثورة تقنية مرتقبة» في ساحات القتال.

فبينما كان العالم الخارجى منشغلا بتطبيقات الذكاء الاصطناعي في تحسين جودة الصور أو تنظيم المواعيد اليومية، كان التقرير البحثي الجديد لمؤسسة راند، أحد مراكز الفكر الممولة من وزارة الدفاع الأمريكية، يلقي بحجر ثقيل في مياه الاستراتيجيات العسكرية الراكدة، حاملاً عنواناً يشي بتحول جذري، وهو «كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعيد تشكيل أربع منافسات أساسية في الحروب المستقبلية؟».

لم يكن السؤال المطروح في القاعة المغلقة يتعلق بمدى كفاءة التكنولوجيا، بل كان سؤالاً وجودياً بامتياز، يدور حول هل نحن اليوم بصدد الوقوف على أعتاب ثورة عسكرية كبرى، تعيد تعريف مفهوم القوة كما فعل البارود في عصور النهضة، أو كما فعل السلاح النووي في أعقاب الحرب العالمية الثانية؟ فقد ولى الزمن الذي كان فيه الذكاء الاصطناعي مجرد رفاهية تقنية حبيسة الهواتف الذكية أو مختبرات السيارات ذاتية القيادة.

واليوم، انتقلت الخوارزميات من «وادى السيليكون» إلى أروقة الجيوش، لتتحول من أدوات مدنية إلى عصب الحروب الحديثة، فنحن نتحدث عن عقول إلكترونية لا تكل، قادرة على فحص ملايين الصور الملتقطة عبر الأقمار الصناعية في ثوانٍ معدودة لتكشف أعتى التمويهات، وأنظمة قيادة لا تعتمد على أعصاب البشر، بل تحول أسراب الطائرات المسيّرة إلى «كائن واحد» يتحرّك بتناغم مرعب، متجاوزاً قدرات الاستيعاب البشري.

استخدام الذكاء الاصطناعى فى الحروب لتحقيق الأهداف المطلوبة

التقرير البحثي لمؤسسة راند الأمريكية العريقة لا يُبشر بظهور «روبوتات خارقة» تسيطر على العالم كما في الروايات الخيالية، بل يطرح فرضية أكثر واقعية وخطورة، وهي وصول الآلة إلى مستوى يوازى القدرة البشرية في «المهام الإدراكية»، ومع أن قوانين الفيزياء الصارمة ستظل تحكم الميدان، ولن تطير الطائرات بلا وقود، إلا أن القيود التي كان يفرضها «العقل البشري المحدود» ببطئه وتشتّته بدأت تتلاشى، فالآلة اليوم لا تقاتل نيابة عنا فقط، بل تفكر أسرع منا بآلاف المرات، وتتّخذ قرارات مصيرية في أجزاء من الثانية، في بيئة لا ترحم المتردّدين.

الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل موازين القوى العالمية

بين ثنايا هذا التقرير، تبرز أربعة ميادين ستكون هي مسرح الصراع القادم للذكاء الاصطناعي في المجالات الدفاعية، فمن لعبة «الكم مقابل النوعية»، حيث تسحق الأسراب الرخيصة الطائرات الباهظة، إلى صراع «الإخفاء والاكتشاف» في ضباب حرب اصطناعي، وصولاً إلى معضلة «القيادة والسيطرة» وحرب «الفضاء السيبرانى» التي لا تُرى بالعين.

التقرير البحثى لمؤسسة راند، يحدّد أربع طرق رئيسية سيغير بها الذكاء الاصطناعي الحرب، أولاها الرؤية والتحليل عبر تحويل البيانات الهائلة إلى معرفة دقيقة، مثل استخدام الجيش الأمريكي خوارزميات للتعرّف على المركبات في صور الأقمار الصناعية لدعم العمليات ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وهي تقنية استُخدمت بالفعل في عام 2017، وثانيتها الاستقلالية، عبر استبدال العمل البشرى بالآلى، ومنها تجربة الطائرة «إف 16» التي قادها نظام ذكاء اصطناعي ضد طيار بشري، وأثبتت تكافؤاً مثيراً، وثالثتها الإدارة عبر تنسيق عمليات معقّدة تتجاوز قدرة البشر، مثل إدارة أسراب ضخمة من الطائرات المسيّرة، وأخيراً دعم القرار من خلال تقديم توصيات وتحليلات تساعد القادة على اتخاذ قرارات أفضل وأسرع وسط ضبابية الحرب.

التاريخ يعلّمنا أن كل ثورة تكنولوجية غيّرت شكل الحرب، فالبارود أنهى عصر السيوف، والطائرات غيّرت المعارك البرية، والأسلحة النووية فرضت الردع، لكن الذكاء الاصطناعي مختلف، فإنه ليس سلاحاً واحداً، بل تكنولوجيا عامة يمكن أن تتغلغل في كل جانب من جوانب الحرب، من الطائرات إلى الدبابات، ومن الاتصالات إلى اللوجيستيات.

لكن مع هذه الإمكانات تأتي المخاوف، التي يناقشها التقرير البحثي الأمريكي، فهل يمكن أن يؤدى الاعتماد على الذكاء الاصطناعي إلى فقدان السيطرة البشرية على القرارات المصيرية؟ هل يمكن أن تُرتكب أخطاء كارثية إذا اعتمدت الجيوش على خوارزميات غير مفهومة بالكامل؟ ليتحدّث التقرير عن تحدٍّ تنظيمي وأخلاقي، إضافة إلى التحدى التقنى، فالجيوش تحتاج إلى إعادة هيكلة مفاهيمها وطرق عملها لتستفيد من الذكاء الاصطناعي دون أن تفقد السيطرة.

هكذا يضع التقرير الأساس لفهم كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعيد تشكيل الحرب، فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة جديدة، بل قوة تغييرية قد تعيد رسم ملامح الصراع الدولى.

ويضرب التقرير المثل بوقائع حقيقية تمّت على أرض الواقع، ليؤكد أهمية استخدام الكم مقابل الكيف باستخدام الذكاء الاصطناعى، ففي صباح يوم من أيام الحرب العالمية الثانية، كانت السماء فوق أوروبا تعج بآلاف الطائرات، بعضها متطور وسريع بمعايير هذا الزمن، مثل الطائرة الألمانية «Me 262» النفاثة، والتى اعتُبرت حينها معجزة تكنولوجية، لكن الأغلبية كانت طائرات أبسط وأرخص مثل «P-51» الأمريكية، التى لم تكن بنفس التطور، لكنها كانت كثيرة العدد وسهلة الإنتاج، والنتيجة أن الكثرة تغلبت على القلة، وأثبتت أن الكم قد يكون أكثر فاعلية من النوعية.

اليوم، يعيد الذكاء الاصطناعى إحياء هذه المعادلة القديمة، لكن بأدوات جديدة، فالتقرير البحثى لمؤسسة راند، يؤكد أن الأنظمة غير المأهولة الرخيصة والذكية قد تمنح ميزة للكم على حساب النوعية، كما أن الاعتماد على منصات باهظة الثمن ذات قدرات فائقة قد يصبح عبئاً في ظل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعى.

تخيل ساحة معركة مستقبلية، بها آلاف الطائرات المسيرة الصغيرة، كل واحدة منها مزودة بخوارزمية ذكية، تتحرك بتناغم كأنها كائن واحد، فبالإضافة إلى أن هذه الطائرات لا تحتاج إلى طيارين، ولا إلى تدريب طويل، ويمكن إنتاجها بكميات هائلة وبتكلفة منخفضة، في المقابل، فإن المقاتلة الشبحية التى تكلف مئات الملايين من الدولارات، مثل «إف 35»، تصبح هدفاً ثميناً، يسهل استنزافها واستهدافها عبر هجمات متكرّرة، حسبما أوضح التقرير البحثى الأمريكى.

الذكاء الاصطناعى لن يغيّر فقط طبيعة المعركة، بل أيضاً الحسابات الاقتصادية، فبينما كانت الجيوش سابقاً مضطرة للاختيار بين الجودة والكم بسبب التكلفة، فإن الذكاء الاصطناعى يجعل الجمع بينهما ممكناً، فأنظمة رخيصة لكنها ذكية، قادرة على تنفيذ مهام معقدة، قد تمنح ميزة استراتيجية هائلة.

والتاريخ مليء بالأمثلة التي تؤكد أن الكم يمكن أن يحسم المعركة، بالإضافة إلى نموذج الحرب العالمية الثانية، فلم تكن الطائرات الأمريكية أفضل من الألمانية، لكنها كانت أكثر عدداً وأسهل إنتاجاً، وفي حرب فيتنام، واجهت الولايات المتحدة خصماً يعتمد على الكم والمرونة، مما جعل المعركة أكثر تعقيداً، واليوم.. الذكاء الاصطناعي يعيد هذه الدروس إلى الواجهة، لكن بشكل أكثر تطوراً.

ويوضح التقرير البحثى الأمريكى أن الاعتماد على الكم ليس بلا مخاطر، فإنتاج آلاف الأنظمة غير المأهولة يحتاج إلى بنية تحتية صناعية قوية، وإلى قدرة على الصيانة والإمداد، كما أن إدارة هذه الكثرة تتطلب أنظمة تحكم ذكية قادرة على التنسيق بين الوحدات، وهنا يأتى دور الذكاء الاصطناعى، الذى يمكنه أن يدير هذه الأسراب بكفاءة تتجاوز قدرة البشر.

ويركز التقرير البحثى الأمريكى في فصله الثالث على «لعبة الإخفاء والاكتشاف فى زمن الذكاء الاصطناعى»، ضارباً أمثلة تاريخية، ففي إحدى الليالي المظلمة على جبهة الحرب العالمية الثانية، كانت القوات الألمانية تنشر دبابات خشبية مزيّفة في الحقول، بينما تُخفي قوات الحلفاء استعداداتهم الحقيقية للغزو، وكان الخداع جزءاً لا يتجزّأ من الحرب، وسلاحاً لا يقل أهمية عن المدافع والطائرات، واليوم يعيد الذكاء الاصطناعى إحياء هذه اللعبة القديمة، لكن بأدوات أكثر تعقيداً ودهاءً.

الذكاء الاصطناعى سيعزز قدرة الجيوش على دمج وتحليل بيانات الاستشعار بسرعة غير مسبوقة

ويضيف مركز راند: «الرومان استخدموا الرايات المزيفة لإيهام خصومهم بحجم قوات أكبر، وفي الحرب العالمية الثانية، نفّذ الحلفاء عملية الحارس الشخصى التي أوهمت الألمان بأن الغزو سيحدث في كاليه بدلاً من نورماندي. وفي حرب الخليج، لجأت القوات الأمريكية إلى نشر أهداف وهمية لتضليل الدفاعات العراقية، لكن الذكاء الاصطناعي يضيف طبقة جديدة من التعقيد، فلم يعد الخداع مجرد خدعة بصرية أو تكتيك محدود، بل أصبح منظومة كاملة يمكن إدارتها عبر خوارزميات قادرة على خلق «ضباب حرب» اصطناعى.

التقرير الصادر عن مؤسسة راند الأمريكية يوضح أن الذكاء الاصطناعى سيُعزز قدرة الجيوش على دمج وتحليل بيانات الاستشعار بسرعة غير مسبوقة، فآلاف الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار يمكن أن تُغذى فى نظام واحد، ليخرج بتحليل دقيق يحدّد مواقع العدو وتحركاته، فالذكاء الاصطناعى يمنح المكتشف قدرة على رؤية ما وراء الضباب، وتحويل الفوضى إلى صورة واضحة.

لكن المفاجأة أن الذكاء الاصطناعى قد يخدم «المُخفِى» أيضاً، فعبر تقنيات خداع متقدمة، يمكن للجيوش نشر آلاف الطُعوم الإلكترونية أو الروبوتية التى تربك الخصم وتجعله يطارد أهدافاً وهمية، وهذه الطُعوم قد تكون طائرات مسيّرة صغيرة تُحاكي إشارات الرادار لمقاتلات حقيقية، أو أنظمة إلكترونية تُصدر إشارات مضللة.

التقرير يصف هذه المنظومة باسم «آلات ضباب الحرب»، وهي أنظمة قادرة على حملات خداع واسعة النطاق، تجعل من المستحيل تقريباً التمييز بين الحقيقى والوهمي.

معادلة ليست بسيطة، فبينما يعزّز الذكاء الاصطناعي قدرة المكتشف على كشف الأهداف، يعزّز أيضاً قدرة المُخفِى على إخفائها، والنتيجة هى سباق مستمر بين السيف والدرع، بين من يحاول أن يرى ومن يحاول أن يختفى. ويؤكد التقرير البحثى أن التفوق فى هذه اللعبة سيعتمد على عوامل متعدّدة، منها نوع المعلومات المطلوبة، وطبيعة البيئة، وقدرة كل طرف على نشر أجهزة الاستشعار أو الطُعوم بكميات كبيرة.

وضرب مثلاً بالحرب الروسية - الأوكرانية، حين قال إن القوات الأوكرانية استخدمت طائرات مسيّرة مزودة ببرمجيات خداعية لإرباك الدفاعات الروسية، وفى المقابل، اعتمدت روسيا على أنظمة استشعار متقدّمة لتحليل البيانات القادمة من الميدان، والنتيجة كانت معركة مستمرة بين الإخفاء والاكتشاف، حيث لم يعد أى طرف قادراً على الاحتفاظ بتفوق دائم.

ويتناول التقرير جانباً آخر مهماً للذكاء الاصطناعي، ففي غرفة عمليات مزدحمة، يجلس القائد أمام شاشات مليئة بالخرائط والبيانات، وعلى الطرف الآخر من الميدان، يقف ضابط صغير يقود وحدة ميدانية، يتخذ قرارات سريعة بناءً على ما يراه أمامه، وهذه الصورة المزدوجة تلخص جدلاً قديماً في تاريخ الحروب، فهل الأفضل أن تكون القيادة مركزية تُصدر الأوامر من الأعلى، أم لامركزية تمنح الوحدات حرية التصرف؟

تقرير مؤسسة راند يجيب بأن الذكاء الاصطناعى لن يلغي هذا الجدل، لكنه سيعيد صياغته، فبينما يمنح الذكاء الاصطناعى القادة قدرة أكبر على جمع وتحليل المعلومات، يظل نموذج «القيادة بالمهمة»، هو الأكثر فاعلية، لأنه يوازن بين سرعة القرار ومرونة التنفيذ.

فمنذ العصور القديمة، كانت القيادة المركزية هي النموذج السائد، والملك أو القائد الأعلى يصدر الأوامر، والجيوش تُنفذ، وهذا النموذج يضمن وحدة القرار، لكنه يعاني من بطء الاستجابة، خاصة فى ساحات معارك واسعة ومعقّدة.. واليوم، الذكاء الاصطناعى يمكن أن يُعزّز هذا النموذج عبر أدوات تحليل واتصال أسرع، تمنح القادة صورة أوضح عن الميدان. لكن التقرير يحذّر: الوصول إلى المعلومات فى الوقت المناسب يظل عاملاً حاسماً، ولا يمكن للذكاء الاصطناعى أن يعوض غيابها.

فى المقابل، تمنح القيادة اللامركزية الوحدات حرية التصرف، وفقاً للظروف المحلية، وهذا النموذج أثبت فاعليته فى حروب العصابات والصراعات الحديثة، حيث لا يمكن للقائد الأعلى أن يسيطر على كل التفاصيل، فالذكاء الاصطناعى يمكن أن يدعم هذا النموذج عبر توفير معلومات دقيقة للوحدات الصغيرة، تمنحها القدرة على اتخاذ قرارات أفضل، لكن التقرير يؤكد أن الإفراط فى اللامركزية قد يؤدى إلى فقدان التنسيق، وهو ما قد يكون كارثياً فى معارك واسعة النطاق.

وهنا يأتى دور نموذج «القيادة بالمهمة»، الذى يجمع بين المركزية واللامركزية، والقائد يُحدّد الهدف العام، بينما الوحدات الميدانية تمتلك حرية التصرّف فى كيفية تحقيقه، وهذا النموذج يمنح المرونة والسرعة، دون أن يفقد وحدة الهدف، فالذكاء الاصطناعى يعزّز هذا النموذج عبر توفير أدوات دعم القرار لكل مستوى من مستويات القيادة، من القائد الأعلى إلى الضابط الميدانى، والنتيجة هى منظومة أكثر تكاملاً، حيث يعمل البشر والآلات معاً لتحقيق الأهداف.

وضرب التقرير البحثى الأمريكى المثل فى الحرب الأوكرانية، حيث أثبتت الوحدات الصغيرة التي تمتلك حرية التصرف وتستفيد من المعلومات اللحظية أنها أكثر قدرة على مواجهة خصم أكبر وأكثر تجهيزاً، فالذكاء الاصطناعي كان حاضراً عبر أدوات تحليل البيانات وتوجيه الطائرات المسيّرة، مما منح هذه الوحدات ميزة إضافية، فالذكاء الاصطناعي لا يغيّر أسباب تفوق القيادة بالمهمة، لكنه يجعلها أكثر فاعلية.

الخوارزميات والعقول الإلكترونية تتخذ قرارات مصيرية فى لحظات

ويؤكد مركز راند أن الذكاء الاصطناعى لن يلغي الجدل بين المركزية واللامركزية، لكنه سيجعل نموذج القيادة بالمهمة أكثر أهمية، فالجيوش التى تتبنّى هذا النموذج وتستثمر فى أدوات دعم القرار ستتمتع بميزة استراتيجية، بينما تلك التى تظل أسيرة النماذج القديمة قد تجد نفسها متأخرة فى سباق الحرب الذكية.

وينتقل التقرير الأمريكى إلى الحرب السيبرانية، ففى عالم اليوم، لم تعد الحرب تقتصر على ساحات المعارك التقليدية، هناك جبهة جديدة لا تُرى بالعين المجردة، لكنها لا تقل خطورة، وهى الفضاء السيبرانى، حيث يصف تقرير مؤسسة راند الأمريكى هذه الجبهة بأنها ساحة قتال رئيسية، حيث يتواجه الهجوم والدفاع فى سباق لا ينتهى، والذكاء الاصطناعى هو اللاعب الجديد الذى يعيد رسم قواعد اللعبة.

ويؤكد أن الهجمات السيبرانية تعتمد على استغلال الثغرات فى أنظمة الخصم. وفى الماضى، كان اكتشاف هذه الثغرات يتطلب وقتاً وجهداً بشرياً كبيراً، لكن مع الذكاء الاصطناعى، يمكن للمهاجمين تحليل ملايين الأسطر من الشيفرات بسرعة، واكتشاف نقاط الضعف فى وقت قياسى، حيث سيمنح الذكاء الاصطناعى المهاجمين قدرة على توليد هجمات أكثر تعقيداً يصعب اكتشافها، ويجعل من المستحيل تقريباً الاعتماد على الدفاعات التقليدية وحدها.

فى المقابل، الدفاعات السيبرانية تستفيد من الذكاء الاصطناعى لرصد الهجمات فى الوقت الفعلى، وإصلاح الثغرات بسرعة، والتعلم من كل محاولة اختراق، فأنظمة الذكاء الاصطناعى، حسب تقرير مؤسسة راند، يمكنها أن تراقب الشبكات باستمرار، وتتعلم أنماط الهجمات، وتستجيب بشكل أسرع من أى فريق بشرى.

التقرير يشير إلى أن هذه القدرات قد تجعل الشبكات العسكرية أكثر مرونة على المدى الطويل، وتقلل قدرة المهاجمين على تحقيق اختراقات كبيرة.

لكن المعركة ليست محسومة، فبينما يمنح الذكاء الاصطناعى المدافعين قدرة أكبر على مواجهة الهجمات، يمنح أيضاً المهاجمين أدوات جديدة أكثر قوة، والنتيجة هى سباق مستمر ولا يمكن لأى طرف أن يضمن التفوق الدائم، لكن المهاجمين سيحتفظون دائماً بالقدرة على اختراق الشبكات، مهما كانت الدفاعات متطورة.

ويذكر التقرير البحثى أنه فى السنوات الأخيرة، شهد العالم هجمات سيبرانية واسعة استهدفت بنى تحتية حيوية، من شبكات الكهرباء إلى أنظمة المستشفيات، وفى كل مرة، كان الدفاع يتعلم ويتطور، لكن الهجوم يعود بأدوات جديدة.. الذكاء الاصطناعى يضاعف خطورة هذه المعركة، لأنه يجعل الهجوم والدفاع أكثر سرعة وتعقيداً.

ويشدّد التقرير الأمريكي على أن الحرب السيبرانية ستظل ساحة قتال مفتوحة، وأن الذكاء الاصطناعى سيضاعف خطورتها، والجيوش التى تستثمر فى الدفاعات الذكية ستتمتع بمرونة أكبر، لكن عليها أن تدرك أن الهجوم سيظل قادراً على اختراقها. إنها معركة بلا نهاية، حيث يتجدّد الصراع مع كل تطور تقنى جديد.

ويخلص التقرير البحثي الأمريكي إلى مجموعة من الدروس والتوصيات التى قد تحدّد شكل الحروب المقبلة، مؤكداً أن الأنظمة غير المأهولة الرخيصة والذكية قد تمنح ميزة استراتيجية على المنصات الباهظة، وأن الجيوش التى لا تستثمر فى تقنيات الإخفاء والخداع ستجد نفسها في موقف ضعف، وأن الذكاء الاصطناعي يعزّز نموذج القيادة بالمهمة، لكنه لا يلغي الحاجة إلى المرونة البشرية، كما أن الهجوم والدفاع في الحروب السيبرانية سيظلان في سباق مستمر، والذكاء الاصطناعي سيضاعف خطورة هذا السباق.

وأوصت المؤسسة البحثية الأمريكية بضرورة الاستثمار في أنظمة غير مأهولة قابلة للاستهلاك بكميات كبيرة، وتطوير أدوات خداع تعتمد على الذكاء الاصطناعي، ووضع خطة انتقالية لإدماج الذكاء الاصطناعي في القوة العسكرية بشكل متوازن بين السرعة والثقة، وتدريب الجنود والأنظمة الذكية معاً بطريقة تكاملية، بحيث يعزز كل طرف نقاط قوة الآخر.

التقرير البحثي الأمريكي يذكر أن استغلال الذكاء الاصطناعي لن يكون مجرد تحدٍّ تقني، بل سيكون أيضاً تنظيمياً وأخلاقياً، فالجيوش تحتاج إلى إعادة هيكلة مفاهيمها وطرق عملها، وإلى التفكير فى كيفية إدارة العلاقة بين البشر والآلات، فمن لا يستعد لهذا التحول، قد يجد نفسه فى موقع الخاسر قبل أن تبدأ المعركة.

ويشدد التقرير على أن الذكاء الاصطناعي لن يكون مجرد أداة إضافية، بل قوة تغييرية قد تعيد رسم ملامح الصراع الدولي، فمن الكم إلى الخداع، ومن القيادة إلى الحرب السيبرانية، يوضح تقرير مؤسسة راند أن الحروب المقبلة ستكون مختلفة جذرياً عما عرفناه، فالقصة ليست مجرد تكنولوجيا جديدة، بل عن كيفية إعادة تشكيل ميزان القوة العالمى، وعن الجيوش التي ستتكيف وتنجو، وتلك التي ستظل أسيرة الماضى.