أشرف غريب يكتب: من «شمشون ولبلب» إلى «صحاب الأرض» ولا تزال الاعتراضات الإسرائيلية مستمرة

كتب: محرر

أشرف غريب يكتب: من «شمشون ولبلب» إلى «صحاب الأرض» ولا تزال الاعتراضات الإسرائيلية مستمرة

أشرف غريب يكتب: من «شمشون ولبلب» إلى «صحاب الأرض» ولا تزال الاعتراضات الإسرائيلية مستمرة

لا تزال إسرائيل المنشغلة بحربها المشتركة مع الولايات المتحدة الأمريكية ضد إيران معنية بانتقاد بل بالهجوم على مسلسل «صحاب الأرض» رغم أن حلقاته الخمس عشرة قد انتهى عرضها، كل أبواق الدعاية الإسرائيلية الرسمية والإعلامية اجتمعت على عزف نغمة واحدة تردد أن هذا العمل لا يعكس وقائع ما حدث ويحدث في قطاع غزة المحتل، وأن الدراما المصرية في هذا المسلسل تزيف الحقيقة لصالح أهداف سياسية تخدم الجانب الفلسطيني، مؤكدة أن إسرائيل كانت مجرد رد فعل تجاه ما فعلته حماس في السابع من أكتوبر 2023، هكذا قالت «إيلا واويا» المتحدثة باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، وتابعتها الصحافة هناك وخاصة «يديعوت أحرونوت» ثم القناة الثانية عشرة وبقية قنواتهم، وجميعهم وصل بهم الأمر إلى حد المطالبة بوقف عرض الحلقات لأنها لا تخدم السلام بين مصر وإسرائيل ولا تساعد على حل القضية، على حد قولهم.

لا جديد إذن في أسلوب آلة الدعاية الإسرائيلية وقدرتها على قلب الحقائق، وتحويل الجاني إلى ضحية، والضحية إلى متهم.. هم يتناسون عمداً عقوداً كاملة من احتلال الأرض والحياة اللا إنسانية التي يفرضونها على الشعب الفلسطيني، ولا يريدون حتى للمتألم أن يجهر بمعاناته، أو يعبر عن محنته، بل ويتهمون غيرهم بمجافاة الحقيقة والواقع، وحسناً فعلت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية وأسرة «صحاب الأرض» حين اختارت أن تكون جل الحلقة الخامسة عشرة والأخيرة حلقة تسجيلية لمشاهد حية تفضح زيف الدعاية الإسرائيلية، وقدرتها على قلب الحقائق، وإذا كان هذا العمل الدرامي قد نجح في التعبير عن الموقف السياسى المصري بكل ثوابته، وأدان القمع الإسرائيلى وممارساته ضد الشعب الأعزل، وقدّم تحية واجبة للشعب الغزاوى وقدرته على المقاومة والاستمساك بالأمل في الحياة، فإن «صحاب الأرض» قد نجح أيضاً وبامتياز فى استفزاز النخبة في إسرائيل وإثارة حنقهم لأنه في النهاية قدم وثيقة مرئية وسردية درامية تفضح كل ما حدث ويحدث داخل الأرض المحتلة.

أما عن اعتراضاتهم ومطالباتهم بوقف العمل فهذا ليس جديداً، وقد اعتدنا عليه في مصر، وتسبقه قائمة طويلة واجهت الموقف نفسه على مدى تاريخ الأعمال الفنية، وقد بدأت تلك الاعتراضات في أبريل 1952 حين ظهر في مصر فيلم «شمشون ولبلب» من تأليف بديع خيرى وإخراج سيف الدين شوكت وبطولة محمود شكوكو وسراج منير، ولم يأتِ الاعتراض من جانب إسرائيل كدولة، وإنما كان من الحاخمية العليا فى مصر وقت أن كان عدد اليهود المصريين لا يزال يمثل رقماً ملحوظاً، وكانت حجة الحاخامية أن الفيلم ينتصر للمصري البسيط على رجل قوي يحمل اسم أحد أنبياء العهد القديم، ويبدو أن السلطات المصرية في ذلك الوقت وكنوع من التأكيد على التفرقة بين ما هو ديني عقائدي وبين ما هو صهيوني مذهبي ارتأت التعامل بمرونة مع الأمر، وطلبت من أسرة الفيلم استبدال اسم «شمشون» باسم «عنتر»، وهذا يفسر الاختلاف الحادث في شريط صوت الفيلم الذي نلاحظه في كل مرة يتم فيها ذكر اسم «شمشون» داخل الأحداث فى محاولة استبداله باسم «عنتر».

ومع تأجج الصراع العسكري بين العرب وإسرائيل طوال العقود التالية في الخمسينات والستينات والسبعينات، لم تكن الدولة العبرية تجرؤ على الاعتراض على أي عمل فنى تنتجه مصر، أو ربما لم تكن هذه هي استراتيجيتها، وبعد ذلك لم يسلم أي عمل يمسهم من سيل الاعتراضات والهجوم والمطالبات، ربما يستثنى من ذلك أعمال الجاسوسية التى تعاملوا معها بأسلوب مختلف، وهو محاولة التقليل من قيمة الانتصار المخابراتي الذي حققته مصر على النحو الذى حدث في مسلسلي «دموع في عيون وقحة، ورأفت الهجان»، حيث حاولوا تصوير جمعة الشوان على أنه عميلهم هم، وأن «الهجان» كان عميلاً مزدوجاً، ثم ظهر الاعتراض السافر بداية من «ناجي العلى»، ثم ازداد في «صعيدي في الجامعة الأمريكية» ومشهد حرق العلم، و«همام فى أمستردام، وأصحاب ولا بيزنس» وكل أعمال آل العدل تقريباً، وبالطبع لا ننسى موقفهم من مسلسل «فارس بلا جواد» والهجوم الذي تعرض له العمل بسبب تناوله لبروتوكولات حكماء صهيون وأطماعهم في المنطقة. وحتى شعبان عبدالرحيم هذا الرجل البسيط الذي غنى بتلقائية «أنا باكره إسرائيل» لم يسلم هو الآخر من هجومهم واعتراضاتهم، وربما كانت كل هذه الأعمال الفنية وغيرها دليلاً واضحاً على الدور الذي يمكن أن يقوم به الفن المصري كسلاح ناعم وداعم في مواجهات لا تنتهي مع هؤلاء الذين يضمرون لنا كل هذا العداء.