التدريب.. وصية هيكل
لم يكن التدريب بالنسبة لي مجرد محطة عابرة بل كان العمود الفقري الذي تشكلت عليه شخصيتي مهنيًا وإنسانيًا منذ خطواتي الأولى في عالم الصحافة، أدركت مبكرًا أنّ الموهبة وحدها لا تكفي، وأنّ الفارق الحقيقي تصنعه الخبرة المتراكمة، والتعلم المستمر، والاحتكاك المباشر بالتجارب المختلفة.
بدأت رحلتي مع التدريب في وقت مبكر، وقادتني هذه الرحلة إلى فرص تدريبية مكثفة مع مؤسسات دولية كبرى، مثل CNN وBBC في تلك الأروقة، لم أتعلم فقط كيف يصاغ الخبر، بل كيف تدار كواليس المؤسسات التي تحكم إيقاع الإعلام العالمي، وكان لي شرف التتلمذ على يد قامات صحفية شامخة، وفي مقدمتهم الأستاذ القدير ياسر عبد العزيز، والذي كانت تجربة التعلم معه كانت نموذجا فريدا، فهو لم يكن يكتفي بساعات التدريب المقررة، بل كان – ولا يزال – معلما يتابع تلاميذه، يرشدهم ببوصلة خبرته، ويمنحهم من نصحه ما ينير طريقهم المهني الصعب.
ومن أكثر المحطات التي أعتز بها، اختياري كـJunior Trainer ضمن اتفاقية «اليوروميد» لدول البحر المتوسط وأوروبا، وهي تجربة استثنائية تمت بالشراكة مع وزارة الشباب واعلان برشلونة عام 2002.
هذه الفرصة لم تكن لتتحقق لولا إيمان أستاذتي وصديقتي وقدوتي المهنية الدكتورة جهاد عامر، التي منحتني الثقة، وفتحت أمامي بابًا لرؤية نفسي ليس فقط كمتدربة، بل كناقلة معرفة ومسؤولة عن تطوير غيري.
أؤمن يقينًا أنّ شخصيتي كصحفية تشكلت بسبب التدريب داخل وخارج مصر، وأنّ برامج التبادل الشبابي التي شاركت فيها كانت السبب الرئيسي وراء امتلاكي مزايا تنافسية منحتني الأفضلية المهنية لاحقاً؛ حيث مهدت لي الطريق بكل سلاسة للالتحاق بأولى دفعات جريدة «المصري اليوم» عند تأسيسها عام 2004، كخطوة أولى في مسيرة مهنية كنتُ أمتلك أدواتها بفضل ذلك الإعداد المبكر.
وكيف أنسى أيامي في كلية الإعلام جامعة القاهرة، وتحت جناح الأم والمعلمة الدكتورة ماجي الحلواني، تلك السيدة التي دفعت بنا إلى «مطبخ» الصحافة الحقيقي، وبفضلها، عشت تفاصيل «الأهرام» العريقة، وتعلمت من مدرسة الراحل الأستاذ سعيد اللاوندي في القسم الخارجي، ولا أنسى الزميل العزيز أحمد عامر، وقتها كان الصحفي الشاب الذي فتح لنا قلبه قبل مكتبه، في صالة الأهرام بقسم المحافظات بالدور الرابع، وأستاذي الغالي إبراهيم أبو كيلة في جريدة الجمهورية الذي علمنا أن الصحافة هي التفاصيل الصغيرة التي لا يراها العابرون.
وعملت لاحقًا في عدد من الصحف والقنوات، وكان من حسن حظي أنّ رؤساء التحرير الذين عملت تحت قيادتهم كانوا مؤمنين بالتدريب، ويمنحونه مساحة كبيرة داخل المؤسسات، فكنت واحدة من المشاركين الدائمين في تدريبات المعهد الدنماركي، برفقة العزيزة الدؤوبة نهى النحاس، التي كانت تجيد اختيار الدورات التدريبية والمدربين، ومواكبة كل ما هو جديد في عالم الصحافة داخل مصر وخارجها.
كل هذه التجارب صقلت مهاراتي، ورفعت سقف توقعاتي، إلى الحد الذي جعلني لا أقبل أي تدريب أو مدرب بسهولة. أصبحت أدقق في الاختيار، وأبحث عن القيمة المضافة الحقيقية، وكلما زادت دقة اختياراتي، قلت فرص التدريب المتاحة أمامي.
حتى سمعت عن مركز تدريب نقابة الصحفيين المصرية، وعن منحة هيكل للتدريب في صحافة البيانات، في ذلك الوقت، كانت أنظاري متجهة نحو دبلومة صحافة البيانات بالجامعة الأمريكية، لكن صديقتي العزيزة والمدربة إيمان الوراقي ودينامو التدريب الأستاذ محمد سعد عبدالحفيظ كانا بوصلتي للتقديم في دورة هيكل.
ولن أنكر أنني لم أكن متحمسة في البداية، كانت لديّ صورة ذهنية نمطية عن تدريبات النقابة، واعتقاد بأنها تقليدية ولا تقدم جديدًا، ولم تكن ثقتي فيها مكتملة.
وفي رحاب «هيكل» حيث يلتقي التاريخ بالتكنولوجيا دخلت مركز تدريب النقابة وأنا أحمل القليل من المعرفة عن لغة البيانات، فخرجت وأنا أحمل فخرا لا يسعه ورق. وجدت مكانا يليق بهيبة الصحافة الحديثة، ومدربين هم نخبة في عقولهم وأخلاقهم. هناك، بين أدوات الذكاء الاصطناعي وجداول البيانات، شعرت بالشغف يشتعل من جديد، فمع الشارت والأرقام عدت كأنني تلك الفتاة التي تمسك بالقلم لأول مرة.
ورغم أنني أعمل كمدير تحرير، وسمعت أكثر من مرة عبارات من نوع: «سيبي التدريب للصغيرين.. أنتِ أستاذة»، إلا أنني أؤمن أنّ التعليم لا عمر له، وأنّ التدريب ليس مرحلة عابرة، بل عملية مستمرة فكل فرصة تدريبية حقيقية هي منحة للتعلم، وبوابة للابتكار، ومساحة لتجديد الأدوات والرؤية.
إنني اليوم لا أقدم نصيحة بعد ترشحي للقائمة القصيرة لجائزة هيكل، بل أشارككم تجربة حية. أوجه دعوتي لكل زميل وزميلة، مهما بلغت سنوات خبرتهم أو علا شأنهم المهني: «اطرقوا باب مركز تدريب النقابة، لا تذهبوا من أجل الشهادات، بل اذهبوا من أجل تلك الدهشة التي تنير العقل، ومن أجل تلك القيمة المضافة التي تجعلنا نواكب عالماً لا ينتظر المتوقفين».
هدى رشوان