انكشاف غير مسبوق
لم تصل منطقة الشرق الأوسط، وكذلك العالم، لهذه الدرجة من الوضوح والانكشاف السائدة حالياً. الغالبية المطلقة من الأقنعة سقطت، واللعب الآن على المكشوف. ولولا فداحة الوضع، وقسوة الواقع، وضبابية المستقبل، لقلنا إن هذا من أفضل ما جرى فى التاريخ الحديث من انكشافات.
نحمد الله كثيراً أن المسألة لم تعد «مؤامرة تحاك» و«مخططات تسن» و«تقسيمات تدشن»، فجميعها ظل حبيس الأفعال المبنية للمجهول، ناهيك عن حديث المؤامرات الذى صار أقرب ما يكون إلى وسيلة تخويف وأداة ترويع، أكثر منها حقيقة واقعة.
اليوم، ومع سقوط أغلب الأقنعة، وانكشاف غالبية الأطراف الضالعة فى المنطقة، يمكننا أن نعيد قراءة المشهد «على ميه بيضا» بينما اللاعبون الأساسيون يصارعون الوقت لإنجاز مرحلة «رمى الأساسات». وتظل فى الإعادة إفادة.
إعادة فهم طبيعة علاقات الدول الأوروبية بأمريكا، وبالتالى إسرائيل، أو بإسرائيل، وبالتالى أمريكا، مهمة. رؤى العين حالياً تشير إلى موقف أوروبى لا تٌحسد أغلب الدول عليه. فهى غارقة فى مشكلاتها وملفاتها الاقتصادية والسياسية، وفى الوقت نفسه، لم تكن قد حسمت أمرها بعد حول طبيعة علاقتها بالرئيس ترامب، وهل هى تابعة، أم ند تقف فى قراراتها وتحالفاتها على قدم المساواة، أو فلنقل قريباً من قدم المساواة، فإذ بـ«ملحمة الغضب» تدفع بها رغماً عنها إلى مواجهة مباشرة ومحرجة مع الرئيس ترامب، وهو بدوره لم يتردد فى تصنيف هذه الدول بناء على حسن سيرها وسلوكها فى ملف الحرب.
قال إنه ليس راضياً عن موقف بريطانيا، وأن «هذا ليس عصر تشرشل». رئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر كان قد قال إنه غير مستعد لدخول المملكة المتحدة فى حرب «لا توجد لها خطة واضحة».
وقال إنه سيقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا، وكان رئيس الوزراء الإسبانى بيدرو سانشيز قد ندد بالقصف الأمريكى والإسرائيلى لإيران، ووصفه بأنه متهور وغير قانونى، ثم حظر لاحقاً استخدام الطائرات الأمريكية القواعد البحرية والجوية فى جنوب إسبانيا لشنّ هجمات على طهران. ليس هذا فقط، بل أعلن معارضة إسبانيا لـ«كارثة» الحرب الدائرة، وقال: «هكذا تبدأ الكوارث الكبرى للبشرية»، فما كان من الرئيس ترامب إلا أن هدد بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا. وقبلها وصف إسبانيا بأنها «حليف بشع»، وأنه «يمكننا (أمريكا) أن نستخدم قاعدتهم إن أردنا».
الاهتزازات الأوروبية مستمرة وبالطبع، كاشفة. الرئيس الفرنسى ماكرون حمّل طهران مسئولية تدهور الأوضاع فى الإقليم لهذا الحد، ولكنه فى الوقت نفسه أكد أن الهجوم الأمريكى الإسرائيلى عليها خارج إطار القانون الدولى. وحين بدأت المخاطر تزيد والمصالح تتعرض لقدر أكبر من الخطر، حث إسرائيل على الامتناع عن شن هجوم برى على لبنان، لكن سبق السيف العذل، وتوغلت إسرائيل، غارات وتستهدف أشخاصاً وأهدافاً ومناطق، والقوس مفتوح. فى الوقت نفسه، أمر بأن تبحر حاملة الطائرات «شارل ديجول» وطائراتها وفرقاطاتها المرافقة إلى البحر المتوسط.
موقف كندا مشابه، إذ انتقل الموقف الرسمى من وصف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بـ«التعارض مع القانون الدولى»، إلى عدم استبعاد المشاركة العسكرية، ومعها أستراليا.
مرة أخرى، لولا فداحة الوضع، وقساوة المشهد، وخطورة المستقبل القريب لتم وصف ما يجرى بـ«التجربة التعليمية الرائعة» و«الإفاقة الناجعة من غيبوبة الخيالات والهلاوس».
الغريب أن بيننا، ورغم هذا الكم من المكاشفة والمصارحة، ما زال يتمسك بتلابيب الحنجورية الفكرية والخطابية. ليس المقصود هنا ترسانة الخبراء والمحللين والمعلقين الذين يفتون فيما يعلمون أو يتصورون أنهم يعلمون، وما لا يعلمون، وفى هذا ضرر بالغ على الجميع، إذ لا يقل دورهم عن المعلومات المضللة والأخبار المفبركة، فهذا ليس موضوعنا الآن.
المقصود هنا هو استمرار البعض فى التحليق فى آفاق الخيال غير الخصب. فبين مطالب بأن يتم إرسال وحدات من الجيش المصرى يميناً، أو التدخل بالمال والعتاد والغذاء يساراً. وهناك من يهول من موقف مصر فى المشهد، ربما مندفعاً بحسن النية، وهناك من يهون، مدفوعاً بفكر مسموم وكراهية أعيت من يداويها.
وإذا كان هبد السوشيال ميديا أصبح شراً لا بد منه، وأمراً واقعاً، فإن تجنبه أو وضعه فى حجمه الحقيقى فى خانة «مشكوك فيه» ليس أمراً واقعاً، لكنه مطلوب لأسباب أمنية وسياسية ونفسية. هذا الانجراف الذى نراه وراء تدوينات مجهلة، وصور غير موثقة، وفيديوهات يكاد الذكاء الاصطناعى يطل منها ويقول «أنا آهو»، يتطلب وعياً ومسئولية.
المشهد الراهن، رغم انخفاض أعداد القتلى وحجم الدمار من الناحية الكمية والعددية، مذهل ومربك ومخيف. لعلها الصدمة، أو ربما اتساع قاعدة الصراع العابر للحدود، أو اقتصار الحرب فى أغلبها على أدوات بالغة التقنية، لا دبابات ومدرعات إلخ. قدرة دولة (أو دولتين) على تحريك منطقة بأكملها، وتحديد مصائر ملايين البشر، وتهديد حركة التجارة والإمدادات والأسعار، والتسبب فى إغلاق مجالات جوية، وتحويل الملايين إلى عالقين فى دول أجنبية ومطارات، وغيرها الكثير من تفاصيل المشهد الآنى هى معايشة لتجربة كاشفة قلما تتكرر فى تاريخ البشرية، حتى وإن ظلت احتمالاتها ومآلاتها قيد التشكيل.