«رأس الأفعى».. دراما مقاومة النسيان!

عصام زكريا

عصام زكريا

كاتب صحفي

ينتمي مسلسل "رأس الأفعى" إلى ما يمكن أن نعتبره نوعاً فنياً جديداً بدأ منذ سبع سنوات مع الجزء الأول من ثلاثية "الاختيار"، والذي يعتبر امتداداً لأفلام ومسلسلات الجاسوسية المأخوذة عن ملفات المخابرات المصرية، والتي تروي، في قالب تشويقي، قصصاً واقعية من كواليس حرب المعلومات والصراع العربي الإسرائيلي، والتي دشنت مع رائعة "الصعود إلى الهاوية" لكمال الشيخ، 1978، عقب معاهدة السلام وانتهاء الصراع المسلح، بالرغم من أن الصراع الأمني والمخابراتي لم يتوقف لحظة. وقد تواصلت هذه الأعمال منذ ذلك الحين مع المسلسلين العظيمين "رأفت الهجان" و"دموع في عيون وقحة" وأفلام ومسلسلات أقل جودة، ربما كان آخرها "حرب الجواسيس"، 2009.


عقب ثورة يناير واستيلاء عصابة الإخوان على السلطة ومحاولتهم للإطاحة بالدولة المدنية ثم ثورة يناير على حكم الإخوان، وما تلى ذلك من صراع شرس تعرضت فيه مصر لأخطار الانقسام والتخريب والانهيار، باتت الحاجة ملحة لصنع أعمال توعوية تعلم الغائب وتذكر الغافل بما حدث، وتكشف بعضاً من الأسرار والكواليس التي لا يعرفها معظم الناس. وبدأت بالجزء الأول من "الاختيار" الذي دشن مواصفات هذا النوع، والتي يمكن اختصارها في الآتي: قصة (أو قصص) واقعية من ملفات المخابرات المصرية حول جهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في مواجهة محاولات خطف الدولة أو تخريبها أو اغتيال رموزها أو بث الترويع والرهبة في قلوب المواطنين..مع دمج هذه القصص في بناء درامي "خيالي" fiction، يتكون من صراع شخصيات ويتسم بالتشويق والأكشن والتأثير العاطفي..وغالباً ما يحاط الخط الرئيسي بخطوط جانبية حول الحياة العائلية والشخصية للشخصبات المتصارعة (رجال الأمن في مواجهة الإرهابيين).


بعد ثلاثية "الاختيار" قدمت أعمال أخرى تنتمي للنوع نفسه، مثل فيلم "العارف" ومسلسل "هجمة مرتدة"، حافظت على المواصفات نفسها، ثم تراجعت قليلاُ، تاركة المجال لتنويعات أخرى مثل مسلسلي "الحشاشين" التاريخي، و"بيت الرفاعي" الرمزي، وكلاهما قدما في موسم 2024، قبل أن تعود هذا العام من خلال مسلسل "رأس الأفعى"، الذي يتناول فترة صعبة وحاسمة تحتاج إلى التذكير بها، وفتح ملفاتها كلها..حتى لا ننسى.


يمثل "رأس الأفعى" عودة إلى الأصول التي ميزت هذا النوع الفني (أو شبه النوع الفني)، حيث أسندت الكتابة لهاني سرحان، مؤلف الجزئين الثاني والثالث من "الاختيار" والبطولة لأمير كرارة أكثر النجوم تجسيداً، ونجاحاً، لهذه النوعية من الأدوار، كما أسند الإخراج لمحمد بكير الذي سبق أن قدم عدداً من المسلسلات الجيدة مثل "المواطن إكس" و"طرف تالت"، ساهمت في تطوير الدراما المصرية بعد 2011، بالرغم من أن اسهاماته تراجعت كثيراً خلال السنوات الماضية.


يحافظ "رأس الأفعى" على الوصفة المعتادة لهذا النوع، ولكن مقادير مكونات وعناصر هذه الوصفة ومدى جودة هذه المكونات تتراوح.
على سبيل المثال هناك نسبة أقل من الأحداث العامة، خاصة العمليات الإرهابية التي ارتكبتها عصابات الإخوان وإخوانهم من الجماعات المتطرفة، وهو أمر غريب بالنظر إلى عدد هذه العمليات وتنوعها، والذي تدل عليه المقاطع الوثائقية التي تنتهي بها الحلقات، ولست أدري هل السبب انتاجي أم كسل فني؟


في المقابل هناك تركيز زائد على الحياة العائلية لأبطال المسلسل الثلاثة: العميد مراد (أمير كرارة) والنقيب حسن (أحمد غزي) والنقيب نورا (كارولين عزمي)، الذين تحتل قصص حبهم وزواجهم في بعض الحلقات مساحات أكبر من مساحة المواجهات والمؤامرات والمعارك بين الإرهابيين وأجهزة الدولة.


صحيح أن هذه الخطوط تضفي نوعاً من الأنسنة والتعاطف مع الأبطال، ولكن أحياناً تصرفهم عن القضية الأساسية للعمل.
في المقابل تساهم قصص الصراعات الشخصية بين أفراد الجماعة "المنحلة" على القيادة في تعميق الدراما والتأكيد على أن الصراع في جوهره لا علاقة له بالمثاليات والقيم بقدر ما هو صراع على السلطة والمجد الشخصي.


ومن أفضل ما في المسلسل مقدمات ونهايات الحلقات، حيث تبدأ كل حلقة بواقعة أو موقف تاريخي بالأبيض والأسود يبين جذور العنف والتاريخ الشخصي لرأس الأفعى، وقائد العمليات الإرهابية الأول بالجماعة، محمود عزت. وتنتهي كل حلقة بمقاطع توثيقية وتقارير إخبارية تصور بعض العمليات الإرهابية واعترافات المتهمين بارتكابها.


وكما يحدث في الدراما عادة فإن الشخصية المركبة متعددة الأبعاد هي عادة ما يكون بؤرة نظر واهتمام المشاهد، والشخصية المركبة والمحورية هنا هي محمود عزت، الذي يشير عنوان المسلسل إليه، والتي يجسدها بإتقان شريف منير: ذلك العجوز الذي يتمسك حتى آخر نفس بأفكاره المتطرفة وقدرته على التلون والإدعاء وفي الوقت نفسه الجبن والطمع الشخصي في الدنيا والسلطة، وهو تجسيد ليس فقط لشخصية عزت، ولكن لكثيرين من قادة الجماعة ورموزها. ولا عجب أن يصاب الذباب الالكتروني للجان الإخوان على مواقع التواصل بالجنون من الصورة التي يظهر بها محمود عزت وباقي قادة وصبيان الجماعة، ويحاولون قلب الحقائق كعادتهم.


هذا التوثيق الذي يشمل التاريخ القديم والحديث من أفضل عناصر العمل، بالرغم من أن الجزء التمثيلي في البداية يبدو ساذجاً مقارنة بالمتن الرئيسي للحلقات، كما أن الجزء الأخير كان يحتاج إلى مزيد من الدمج داخل الدراما نفسها.


من الإيجابيات أيضاً التفاصيل التي رسمت بها بعض الشخصيات الإخوانية الأخرى، مثل محمد كمال ومحمد دسوقي ومنتصر والقيادية سناء وغيرهم. والعلاقة بين النقيب نورا والقيادية الإخوانية سناء (هبة عبد الغني) من الأمثلة على الخطوط التي كان يمكن إثراءها بمزيد من الدراما والتشويق، خاصة أنها تتبع ثيمة درامية جذابة هي فكرة العميل المزروع في عرين الخصم، والتي قامت عليها دراما مسلسلي "رأفت الهجان" و"دموع في عيون وقحة" بالكامل!