«رأس الأفعى».. أهمية طرح السردية الحقيقية من خلال التوثيق الدرامي
ثمة لحظات فارقة في تاريخ الدراما تتجاوز فيها الصورة حدود الترفيه لتصبح شاهدا، وتتخطى فيها الحكاية المجردة لتصير وثيقة. مسلسل "رأس الأفعى" هو واحد من هذه اللحظات النادرة في تاريخ الدراما المصرية والعربية.
قيمة هذا العمل هو بوصفه وثيقة تاريخية تدوِن جرائم تنظيم الإخوان المسلمين وتحيي ذاكرة الأمة في مواجهة ظلام حاولت الجماعة فرضه على مصر.
إن من يدقق في أحداث المسلسل سيدرك أننا أمام أرشيف مصور للمرحلة الأشد خطورة في تاريخ الجماعة الإرهابية؛ مرحلة لجأت فيها إلى السلاح والتفجيرات والاغتيالات بعد أن سقط مشروعها السياسي بإرادة شعبية في يونيو 2013.
"رأس الأفعى" مستوحى من ملفات أمنية حقيقية. هذا الإعلان وحده يضع المسلسل في خانة مختلفة تماما عن أعمال الخيال البحت، ويجعله أقرب إلى ما يعرف في الأدب بـ"الرواية الوثائقية".
أولا: من هو محمود عزت؟
لا يمكن فهم قيمة المسلسل التوثيقية دون استيعاب حجم الشخصية المحورية التي يتناولها. محمود عزت ليس شخصية درامية اخترعها كاتب موهوب، بل هو قيادي إخواني من الصف الأول، أمضى أكثر من ستة عقود داخل التنظيم ومنظومته الفكرية.
بعد عزل محمد مرسي في يوليو 2013، تحول محمود عزت إلى "القائم بأعمال المرشد" بعد اعتقال محمد بديع وخيرت الشاطر، وأصبح العقل المدبر للجناح العسكري والإرهابي في الجماعة.
الشخصية التي يجسدها شريف منير هي إذن شخصية موجودة في الواقع، لها ملف قضائي ضخم، وسجل إجرامي موثق، وأحكام قضائية تثبت تورطها في جرائم بالغة الخطورة. المسلسل لا يتخيل ولا يبتكر؛ المسلسل يروي.
ثانيا: الجرائم التي يوثقها المسلسل
1. جريمة اغتيال النائب العام هشام بركات
لعل أبرز ما يوثقه المسلسل هو تلك الجريمة الكبرى التي هزت مصر في يونيو 2015: اغتيال المستشار هشام بركات، النائب العام المصري.
تناولت حلقات المسلسل هذه الواقعة بتفاصيل دقيقة مستقاة من الملفات الأمنية: كيف تتبع الضابط مراد وفريقه كاميرات المراقبة وكشفوا عن ظهور سيارة مريبة في محيط الحادث خلال الأيام الأربعة التي سبقت الانفجار، وكيف جرت عملية فك طلاسم الشبكة المنفِذة. بل ذهب المسلسل إلى ما هو أبعد من المشهد الدرامي حين عرض تسجيلات فعلية لاعترافات المتهمين.
2. استغلال الجامعات لتجنيد الشباب
يكشف المسلسل من خلال مشاهد الاسترجاع (الفلاش باك) عن استراتيجية إخوانية ممنهجة لاختراق الجامعات المصرية. كانت التعليمات تصدر من القيادة لعناصر الجماعة بالعودة إلى الحرم الجامعي تحت ستار إتمام الدراسة، والهدف الحقيقي هو استقطاب جيل جديد من الشباب وتجنيدهم في صفوف التنظيم في وقت بات التنظيم يعاني من الانكشاف والتفكك.
3. تأسيس الجناح المسلح وحركة حسم
يتناول المسلسل بجرأة لافتة الكشف عن التنظيم المسلح المستقل الذي أسسه الجناح المتشدد في الجماعة تحت مسمى حركة "حسم".
المسلسل كشف البنية الهيكلية للتنظيم الإرهابي: فلم يكن الإرهاب فعلا فرديا عفويا، بل كان تنظيما عسكريا ذا قيادة وأذرع وكوادر متخصصة.
ثالثا: الذاكرة الجمعية في مواجهة التزوير
لا يمكن فهم الأهمية الحقيقية لمسلسل "رأس الأفعى" بمعزل عن السياق الأوسع: معركة الرواية التاريخية. منذ سقوط حكم الإخوان في مصر عام 2013، عمل التنظيم وحلفاؤه على تشكيل رواية بديلة تصور الجماعة ضحية للقمع وضحية لما أسموه "الانقلاب"، وتخفي إرهابها وجرائمها وراء شعارات الدين والمظلومية.
في مقابل هذه الرواية الزائفة تبرز أهمية الأعمال الدرامية التوثيقية. فالشاشة تصل إلى ملايين المشاهدين الذين لا يقرأون القضايا الجنائية ولا يطلعون على الملفات الأمنية. حين يرى المشاهد بعينيه كيف اغتالت الجماعة قاضيا، وكيف فجرت سيارة في الطريق أمام معهد الأورام، وكيف جندت الطلاب في خلايا إرهابية، يصبح شاهدا لا يستطيع أحد لاحقا أن يقنعه بعكسه.
الدراما هي المستودع الأوسع انتشارا للذاكرة الجمعية. ما تحمله الشاشة يبقى في الوجدان أطول بكثير مما تحمله الصفحات والمواقع الإخبارية. ولذلك فإن تحول مسلسل "رأس الأفعى" إلى وثيقة درامية لجرائم الجماعة يعني أن هذه الجرائم ستظل حاضرة في وعي الأجيال القادمة بصورة تتجاوز كثيرا ما يمكن أن تحققه الصحافة أو التقارير الرسمية.
ولعل ما يدل على أثر المسلسل أن حلقاته استطاعت إعادة تسليط الضوء على قضايا كان يكاد بعضها يغيب عن الذاكرة الشعبية، كجريمة اغتيال هشام بركات التي مضى عليها أكثر من عشر سنوات.
رابعا: لماذا لا تهم العناصر الفنية هنا؟
قد يتساءل بعضهم: أليس من الأهمية بمكان الحكم على العمل من زاوية فنية أيضا؟ والجواب: ربما في سياقات أخرى. لكن حين يكون الهدف الأسمى هو التوثيق والإدانة، فإن الأعمال التاريخية والتوثيقية تقاس أولا بمعيار الأمانة في نقل الوقائع لا بجماليات الكاميرا.
المحاكمة الكبرى لجرائم النازية لم تنتظر أن تكون لقطاتها الأرشيفية احترافية ومعالجة بصريا. لم تشترط لها جودة أسلوبية عالية لتصبح وثائق إدانة. الوثيقة تقاس بصدقها لا بجماليتها.
مسلسل "رأس الأفعى" في جوهره محاكمة درامية لتنظيم أجرم في حق وطنه. والمحاكمات تقوم على الأدلة والاعترافات وإعادة بناء الجريمة. وهذا بالضبط ما يفعله المسلسل. فإذا أضيف إلى ذلك عنصر درامي جيد وأداء تمثيلي مقنع، فتلك نعمة إضافية.. لا اشتراط أساسي.
خامسا: أثر المسلسل وما بعده
لم يتوقف أثر "رأس الأفعى" عند الشاشة. فقد رافق عرض حلقاته موجة من إعادة النشر والنقاش على منصات التواصل الاجتماعي، وبعث الاهتمام بالبحث عن وثائق قضية اغتيال النائب العام وغيرها من الجرائم التي تناولها العمل. كما ناقش المسلسل ردود فعل واسعة من الأوساط المحسوبة على الجماعة وداعميها، وهو ما يثبت أن المسلسل بلغ هدفه: أصاب الرواية الزائفة في مقتل.
إن الأعمال الدرامية التي تصادم مشاعر المجرمين وحلفاءهم هي بالضرورة الأعمال التي تحقق وظيفتها التوثيقية والأخلاقية بامتياز. فالفن الحقيقي في مثل هذه المواضيع ليس وسيلة ترفيه، بل مهمته طرح الحقيقة للتاريخ.
في نهاية المطاف، مسلسل "رأس الأفعى" ليس مجرد عمل رمضاني يشغل وقت الفراغ، بل هو إعادة بناء درامي لمرحلة مصرية حرجة، ومحاكمة للأيديولوجيا الإخوانية أمام المشاهد الذي بات هو نفسه هيئة المحلفين.
قيمته التوثيقية تتجلى في أنه حين يسأل أحدهم يوما: ماذا فعل الإخوان في مصر؟ سيكون من بين الإجابات الكاملة والأمينة: انظر إلى هذا المسلسل. فإن الشاشة التي لا تنسى هي أصدق شاهد على من يريدون أن نتجاهل.