خيال المحارب (4)
بمرور الوقت، راحت تظهر اتجاهات جديدة فى العلاقات المدنية العسكرية، وأخذ القادة المدنيون والعسكريون يتفاعلون على المستويات الاستراتيجية والعملياتية والتكتيكية فى آن، وينتقلون من مجرد التعايش إلى التعاون فى بناء القدرات، وفهم واحترام التفويضات الضرورية والمستقلة، وتعزيز أدوات الاتصال ومجالات التعليم والتدريب.
وتعزّز دور القطاع الخاص فى العمليات العسكرية عبر إعداد الجيوش وتجهيزها، والمشتريات الدفاعية، وإدارة المشروعات وتطويرها، وتصاعد دور المتعاقدين فى الحروب من مقاولى خدمات دعم القوات، ومقاولى دعم المنظومات، ومقاولى خدمات الحماية الأمنية.
كل هذا سيجعل الجيش فى القرن الحادى والعشرين يبدو مختلفاً جداً عن الجيوش التى واجه بعضها بعضاً خلال السنوات الأخيرة من الحرب الباردة، حيث من المنتظر أن «يكون الجيش أصغر، وأكثر مرونة، وقادراً على توجيه ضربة أكبر بكثير مما يوحى به حجمه، وسيكون مملوءاً بالجنود المحترفين للغاية والقادرين على تنفيذ مهام متعدّدة لم يكن ينفّذها فى ما مضى سوى وحدات خاصة. وسيرافق هؤلاء الجنود إلى ميدان العمليات مجموعة متنوعة من الأفراد غير العسكريين، الذين سيكون الكثير منهم متعاقدين لتنفيذ مهام غير عسكرية تعتبر مهمة، ولكنها تتطلب أفراداً غير ماهرين. إن جيش المستقبل سوف يشبه قوة متكاملة البنية، مع تزايد الأدوار التى يقوم بها الأفراد المدنيون والمتعاقدون أكثر من أى وقت مضى. وقد لا يكون الجيش هو العنصر الأكبر، لكنه سيكون العنصر الأهم من حيث ضمان أمن العمليات.
وظهرت ألون أخرى من الحروب، ستتعزّز فى المستقبل، مثل «حرب الشبكات» التى تبدو جذّابة على نحو خاص لأطراف مؤثرة دون الدولة، مثل التنظيمات الإرهابية، والمنظمات الإجرامية العابرة للدول، وجماعات الضغط السياسى المتطرّفة، ويصعب هزيمتها لغياب هدف واحد يؤدى تدميره إلى إنهاء وجود الشبكة بالكامل. وهناك من يطلق عليها حرب الإنترنت، التى يتم شنها بواسطة الحواسيب المتقدّمة وشبكة الإنترنت، بغية إحداث ضرر بنظم معلومات الخصوم، وفى المقابل توجد حرب دفاعية من النوع نفسه لحماية النّظم الخاصة بالمهاجمين، وهناك من يطلق عليها حرب المعلومات.
إنها حرب «الفضاء الإلكترونى»، التى لا يمكن التعامل معها على أنها نوع نظيف من الحروب لا ضحايا فيها، ومن ثم يُمكن تبنّيها لتجنب شرور الحروب التقليدية، ففى الحقيقة هى نوع من الحرب السرية التى تبقى خافية عن عيون عموم الناس، لكن هم الذين سيدفعون ثمنها أيضاً، سواء الأفراد أو الشركات العامة والخاصة.
وتختلف مجالات الحروب تلك عما يُسمى «حرب الأفكار»، التى تقوم على الدعاية، وهى وفق بول روبنسون، فى كتابه «قاموس الأمن الدولى» تكون «ذخائر ينتجها العقل، وتوجه إلى العقل، وتُعد أسلحة أثبتت أنها لا تقل أهمية عن أىٍّ من الأسلحة التى ابتكرها الإنسان».
والحديث عن خيال المحارب لا بد أن يتطرّق إلى خيال القادة الذين قادوا بلادهم فى الحروب. فإذا كان من السهل أن نتلمس الطريق سريعاً فى هذا إلى القادة السياسيين، فإن بعض القادة العسكريين أيضاً يلعبون دوراً كبيراً فى بناء أممهم إن كان لديهم خيال، ولهذا لم يكن مستغرباً أن يصدر مايكل لى لاننج تصنيفه لأكثر القادة العسكريين تأثيراً فى التاريخ بقوله: «لا شك فى أن المبعوثين والدبلوماسيين والمفكرين والفلاسفة قد أسهموا فى حركة التاريخ وشكلوا منعطفاته، بيد أنهم لم يتصدّروا التاريخ إلا تحت حماية القادة العسكريين الذين عملوا على ضمان بقاء أسلوب الحياة، الذى اختاره أولئك الرواد. إن أكثر الزعماء نفوذاً فى تاريخ العالم لم يأتوا من دور العبادة، ولم تقدّمهم ردهات الحكم أو المراكز البحثية، ولكنهم جاءوا من صفوف العسكريين، جنوداً وبحارة.
وعلى امتداد الزمن، تمكنت الشعوب، التى حظيت بعظماء القادة العسكريين والمبدعين فى المجال الحربى، من تحقيق الازدهار والسيطرة على أراضيها والهيمنة على جيرانها. وقد وجدت الحضارات التى افتقدت القادة العسكريين الأقوياء نفسها مقهورة وخاضعة لغيرها أو معرّضة للإبادة التامة. وفى حالات أخرى، لم يكن القادة العسكريون سوى طغاة، استبدوا بشعوبهم، وروعوا أعداءهم».
وربما كان «لاننج» هنا متحيّزاً لما يعرفه ويهواه، وهو إن كان قوله لا يخلو من منطق، قياساً على تجارب الأمم، لكن فى الوقت ذاته نجد أن الأيام طالما منحت الشعوب قادة مدنيين من ذوى البصيرة، كانت لهم من الحكمة وقوة الشكيمة، وتجنّبوا العيوب التى تصم أسلوب إدارة العسكريين للحياة المدنية القائمة على التنوع والاختلاف، وتصرّفوا طوال الوقت بما يكفى للنهوض بواقع بلدانهم التعيس.