توثيق المتحدة للدراما الوطنية
على مدى التاريخ العريق للدراما المصرية احتلت الأعمال الوطنية مكانة خاصة -تحديداً خلال شهر رمضان- في وجدان المشاهد. أعمال حققت نجاحاً جماهيرياً انعكس في نسب المشاهدة التي بلغت أن الشارع المصري -بل العربي- كان يخلو تماماً عند عرض هذه المسلسلات، خصوصاً أن أغلبها توافرت له معالجة فنية متميزة على مستوى مختلف العناصر، الكتابة، الإخراج، التمثيل. إذ لم يعتمد كل عمل يدخل تصنيفه ضمن الدراما الوطنية على عنصر التشويق في عالم الكشف عن ملفات أمنية، لكنه حقق التكامل بين جميع مكونات المنتج الدرامي.
مسلسل «رأس الأفعى» بكل المقاييس ملحمة في صورة معالجة درامية متماسكة. بداية من إخراج محمد بكير حيث جاء اختياره في التنقل بين المشاهد بإتقان شديد مع زوايا كاميرا مدير التصوير ماركو ميشيل في تناغم متقن أعطى كل لقطة بُعداً بصرياً غاية في الجمال. بالإضافة إلى مهارة عالية في إدارة الممثلين.
المؤلف المبدع هاني سرحان أضاف نجاحاً جديداً إلى لائحة أعماله السابقة. معالجة احترافية تتجاوز صياغة نص تقليدي يُطرَح بمفهومه الظاهر إلى تركيبة نسجت أبعاد التحليل الفكري، السياسي، التاريخي. هو صاحب رؤية تخترق القضية إلى مساحة أعمق، يغوص حتى يصل إلى تحليل الفكرة بكل جذورها.
استهلال كل حلقة مع مشهد يكشف تاريخ محمود عزت، أو أيقونة العمل السري في تاريخ الجماعة الإرهابية، مصورة بالأبيض والأسود، اختيار موفق تم توظيفه فنياً كمرحلة تمهيد للمشاهد وإعطائه نبذة عن جذور جرائم الجماعة الإرهابية، لينتقل السرد إلى بعد فض اعتصام الجماعة المسلح في ميدان الشهيد هشام بركات. بالإضافة إلى اللقطات التسجيلية التي تكشف جرائم الجماعة الإرهابية وأحاديث تكشف سموم قادتها في ختام كل حلقة، اختيار موفق منح العمل درجة كبيرة من المصداقية في المزج بين التوثيق التاريخى للحدث والحبكة الدرامية تحديداً أن النص قدم للمشاهد بانوراما متكاملة عن الشخصيات.
ضابط الأمن الوطني «مراد» أمير كرارة هو إنسان يمر بكل المتاعب الخاصة التى يصادفها أي مواطن يومياً، الضابط الشاب «حسن» أحمد غزي نموذج لشاب مصري في كل تفاصيل حياته الأسرية والعاطفية، ما ينطبق أيضاً على شخصية الضابطة «نورا» كارولين عزمي.
أنماط إنسانية مستوحاة من أغلب الأسر المصرية. أحد عوامل تميز المسلسل أنه لا يعرض وقائع أمنية مجردة إنما يضعها في سياق اجتماعي تاريخي سياسي.
الأداء بلغ درجة عالية من الإتقان. شريف منير درس محمود عزت وغاص في أعماقه بعمق، ما يتفق مع تاريخ شريف منير الفني. تجاوز الأداء النمطي في تقديم كل مخزون الحقد والتكفير تجاه المجتمع داخل الشخصية إلى حرفية تشريح نفسي استخرج منها شريف منير التعبير عن الشر في شخصية محمود عزت في أداء عكس الأبعاد النفسية التي تشكل أدق تفاصيل تركيبة «عزت». الحذر من كل وأي شىء.. شك يصل إلى درجة المرض في الآخرين.. حرص تام على السرية وعدم الظهور المعلن.
تركيبة نفسية معقدة نجح شريف منير في أدائها دون تكلف أو مبالغة لكن بصدق وحرفية شديدة. الثنائي أمير كرارة وأحمد غزي نجحا في إضفاء لمسات على دور ضابط الأمن الوطني ترسخ حضوره وقدرته على إضفاء بصمته الخاصة على مختلف الأدوار، كارولين عزمي حضور مميز لدور الفتاة المصرية في المؤسسات الأمنية.
الثلاثي قدم أداء متجدداً غاية في الإتقان والتألق يجمع بين جدية وصرامة مناصبهم الأمنية، والبعد الإنساني لكل شخصية. كما تألق مراد مكرم عند فرض حضوره مع كل مشهد في توظيف إيقاع أدائه بمهارات أعطت ملامح مطابقة لشخصية تشغل منصباً أمنياً رفيعاً.
الأداء الجماعي لأبطال مسلسل «رأس الأفعى» لم يستند فقط على الرصيد الفني لنجومه ونجماته، لكنه تجاوز إلى فهم عميق لطبيعة الشخصيات التي تعكس الصراع الأمني والفكري بين طرف وهب حياته لحماية دماء الأبرياء، في مواجهة طرف آخر يؤجج الصراعات ويستحل هذه الدماء.
رسالة الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية في مسلسل «رأس الأفعى» جاءت متناغمة مع الرأي العام. تقديم مثل هذه الأعمال التي تحث المشاهدين على قراءة حقائق عن قضاياهم الوطنية والتفاعل معها لا زالت تحتل أولوية بين الموضوعات المختلفة المطروحة في الدراما، ما يفرض الاستمرار في تقديم هذه النوعية من الإنتاج الدرامي كوثيقة تاريخية تحفظ للأجيال القادمة أو تلك التي لم تكن وصلت بين عامى 2011 و2014 إلى مرحلة إدراك ما كان يخطَّط للوطن. المتحدة للخدمات الإعلامية نجحت في ترجمة شعار «الفن رسالة أولوياتها تنوير المجتمع» إلى أعمال درامية تتواصل مع وجدان وعقل المشاهد تدفعه إلى التفكير والمراجعة باعتباره شريكاً في الإلمام بتفاصيل هذه القضايا.
مع تقديم هذه الإنتاجات المتميزة تستكمل المتحدة للخدمات الإعلامية بناء المخزون التاريخي الثري للدراما المصرية من مسلسل «دموع في عيون وقحة» مروراً بروائع الدراما الوطنية عبر إضافة المزيد إلى منظومة توثيق هذه الدراما في إطار شيق ينأى عن الخطاب المباشر ويحترم عقل المشاهد