علاء عابد يكتب: الحرب.. إلى أين؟
علاء عابد يكتب: الحرب.. إلى أين؟
ليت الأطفال لا يموتون
ليتهم يُرفعون إلى السماء مؤقتاً ريثما تنتهي الحرب
ثم يعودون إلى بيوتهم آمنين
وحين يسألهم الأهل محتارين: أين كنتم؟
يقولون فرحين: «كنا نلعب مع النجوم».
بهذه الأمنية البسيطة والوجيعة المؤلمة يلخص الأديب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني مأساة الحروب التي يدفع ثمنها الأبرياء، بينما تستمر الصراعات الكبرى في رسم خرائط جديدة للمنطقة. واليوم ومع تصاعد القصف في الشرق الأوسط يعود السؤال المؤلم ليطرح نفسه: الحرب.. إلى أين؟
منذ سنوات أربع اندلعت الحرب «الروسية الأوكرانية» لتتحول سريعاً إلى واحدة من أكثر الصراعات دموية وشراسة في العصر الحديث، وأغرقت المنطقة في دوامة من الدمار والخسائر البشرية والاقتصادية الهائلة، دون أن تلوح فى الأفق أى تسوية حقيقية تنهى النزاع بين موسكو وكييف، وليظل السؤال معلقاً.. إلى أين وصلت هذه الحرب؟
تعيش منطقتنا العربية اليوم واحدة من أكثر لحظاتها خطورة وتوتراً، فالحرب التي اندلعت بين «أمريكا وإسرائيل وإيران» لا تبدو مجرد حرب عابرة، إنما تنم عن صراع أعمق حول مستقبل الشرق الأوسط وخرائطه وحدوده، فما نراه هو إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالح ورؤى استراتيجية، ولو كان الثمن هو إشعال حرب واسعة تدفع شعوب المنطقة ثمناً لها.
وفي قلب المشهد تقف إسرائيل، التى تسعى إلى استثمار الاضطراب الإقليمي لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، لتغيير موازين القوى وفرض واقع جيوسياسي جديد فى الشرق الأوسط، وهو توجه تتبناه حكومة إسرائيل المتطرفة بقيادة بنيامين نتنياهو، والتي تقوم على فكرة أن «الفوضى» في الإقليم تفتح الباب لترتيبات سياسية وأمنية جديدة تخدم مصالح إسرائيل الاستراتيجية.
وعلى الجهة الأخرى من الأزمة يتمثل في سلوك إيران، التى اختارت في لحظة التصعيد أن توسع دائرة المواجهة ليس مع خصومها المباشرين، بل عبر تهديد أمن دول الجوار العربية في الخليج العربي والأردن، وتوجه صواريخها نحو دول ليست طرفاً في الحرب لا من قريب ولا من بعيد، وهو ما يمثل خطوة شديدة الخطورة لا يمكن تبريرها بأي منطق سياسي أو عسكري، فأي تصعيد غير محسوب قد يترك آثاراً عميقة ستظل حاضرة في شكل العلاقات المستقبلية بين طهران وجوارها الإقليمي.
وليكن معلوماً للجميع أن دول الخليج العربي لم تكن يوماً طرفاً فى هذه المواجهة ولم تسع إلى إشعال الحرب، ولكنها وجدت نفسها في مرمى تهديدات وصواريخ لا علاقة لها بها، وسلوك إيران لا يمكن تفسيره إلا بوصفه محاولة لجرّ المنطقة إلى حرب أوسع، وإشعال بؤر توتر جديدة تُربك المشهد وتزيد من تعقيداته.
والحقيقة أن هذا السلوك الإيرانى يحمل فى طياته مخاطر استراتيجية جسيمة، لأن استهداف أمن الخليج لا يهدد استقرار تلك الدول فحسب، إنما يهدد الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وسلامة الملاحة، في واحد من أهم الممرات الحيوية في العالم، ومثل هذه الخطوات قد تحقق ردعاً لحظياً أو رسالة سياسية آنية لكنها فى المقابل قد تفتح الباب أمام خسائر استراتيجية بعيدة المدى.
ومما لا يخفى على أحد أن ما يحدث اليوم يكشف لنا بوضوح أن المنطقة تقف بين مشروعين خطيرين جداً، مشروع يسعى إلى إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط، وآخر يغامر بتوسيع رقعة الحرب وإشعال جبهات جديدة، وتقف دول الخليج بين هذين المشروعين في موقع المستهدف رغم أنها ليست طرفاً في هذا الصراع.
ومن هنا يصبح الدفاع عن أمن الخليج دفاعاً عن استقرار المنطقة بأسرها، فهذه الدول تمثل ركيزة أساسية في توازن الشرق الأوسط، واستقرارها عنصر حيوي للأمن الإقليمي والدولي، ويظل الموقف العربي وفي القلب منه مصر رافضاً للقبول بتحويل الخليج إلى ساحة لتصفية الحسابات أو منصة لإطلاق الصواريخ، وتوسيع دائرة الاشتباك هدفه إدخال الخليج في قلب الصراع، واستنزاف الثروات، وزعزعة الاستقرار.
وفي خضم هذه التطورات المتسارعة يبرز دور الجيوش الوطنية التي تقف حارساً وسداً منيعاً للأوطان وحدودها، وفي مصر يظل الجيش المصري العظيم رمزاً للقوة والانضباط والاستعداد الدائم لحماية أمن الوطن وصون استقراره.
أتوجه بتحية تقدير واعتزاز لرجال القوات المسلحة المصرية وصقورها البواسل، ولكل من يسهر على حماية هذه الأرض الطيبة وتأمين سلامة المواطنين، ففي أزمنة الاضطرابات الكبرى تبقى الجيوش الوطنية هي الضمانة الحقيقية لحماية الوطن من رياح الصراعات التي تعصف بالمنطقة.