محمود فوزي السيد يكتب: وثيقة وطنية درامية لأجيال قادمة
محمود فوزي السيد يكتب: وثيقة وطنية درامية لأجيال قادمة
تستحق منا الأجيال القادمة أن نطلعها على حقيقة ما مر به الوطن من أزمات تسببت فيها جماعة الإخوان الإرهابية لعدة سنوات؛ يستحق أن نترك له الوثائق الحقيقية للعودة لها من أجل التعرف على جزء مهم وصعب من تاريخ وطنه؛ وأيا من الوسائل للتوثيق أفضل من الدراما المعتمدة على الواقع والتي تتداخل معه بصورة كبيرة لدرجة الاستعانة بمشاهد واعترافات حقيقية ضمن الأحداث الدرامية للعمل.
هنا في رأيي تكمن أهمية الأعمال الوطنية التي تم تقديممها خلال الفترة الماضية والتي بدأت بملحمة «الاختيار» بأجزاءه الثلاثة والتي تناولت الكثير من الأحداث التي مرت علينا منذ عام 2013 وتضحيات رجال القوات المسلحة والشرطة وكل أجهزة الدولة في مواجهة الجماعة الإرهابية وعملياتها الخسيسة التي نفذتها ضد الشعب المصرى كله؛ وحققت تلك السلسلة نجاحا مبهرا لما عرضته من مشاهد حقيقية وتسجيلات من الواقع كشفت كذب وخداع كل عناصر وقيادات تلك الجماعة الإرهابية.
واستمرارا لمسلسل التوثيق الدرامي التاريخي يطل علينا هذا العام في السباق الرمضاني الحالي واحد من أهم المسلسلات التي حفظت لنفسها مكانا مبكرا في قائمة الأعلى مشاهدة وهو مسلسل «رأس الأفعى» الذي يقوم ببطولته أمير كرارة بطل النسخة الأولى من مسلسل «الاختيار» في شخصية الشهيد البطل أحمد منسي؛ بمشاركة الفنان الكبير شريف منير والذي يجسد في أحداث المسلسل شخصية القيادي الإخواني الإرهابي محمود عزت؛ وهو المسلسل الذي ينتمي لنوعية دراما التشويق المستندة على أحداث حقيقية في مهمة توثيقية حول أحداث وصراعات أمنية عاشها المجتمع المصري حيث تدور الأحداث حول مطاردة رجال جهاز الأمن الوطني للقيادي الإخواني الذي يعتبر أحد العقول المدبرة للعديد من العمليات الإرهابية التي قامت بها عناصر الجماعة الإرهابية؛ العمل رغم تصنيفه من ضمن أعمال التشويق إلا أن فكرته ذكية لأبعد الحدود فهو في ظاهر الأمر يطارد الإرهابي الذي يحتل مكانة كبيرة في جماعته؛ لكن في الوقت ذاته هو يلقى الضوء على فكرة «مركز القوة» في تلك الجماعة، وهي النقطة الخفية وكيفية قدرة مثل تلك المراكز في التأثير على أعضاء الجماعة من أجل إقناعهم بفكرة الإيمان بتنفيذ أية مهام إرهابية يوكلونها إليهم؛ وهو ما ظهر بشدة خلال أحداث العمل؛ حيث ظهرت في العديد من المشاهد شهادات حقيقية لاعترافات أعضاء الجماعة بتنفيذ العديد من المهام بدون التفكير ولو للحظة؛ وهو ما ظهر على سبيل المثال في مشاهد اعتراف المتهمين باغتيال النائب العام هشام بركات وهي التسجيلات التي توضح مدى تعرض هؤلاء المتهمين لعمليات «غسيل الدماغ» التي يخضعون لها عند الانضمام لتلك الجماعة الإرهابية.
وهنا بالتحديد يأتي دور التوثيق الذى قصدته في بداية حديثي؛ حيث تتمتع الدراما بسحر خاص يمكنها من تقديم الشهادات والتسجيلات الحقيقية الجامدة لأحداث مهمة في حياة الوطن في إطار من الفن والدراما من أجل شهولة توصيل الرسالة وكأن العمل الدرامي هو «حاضن» لتلك الشهادات والوقائع والتسجيلات من أجل أن يضمن له البقاء طول العمر؛ وهو الأمر الذي نجح فيه صناع المسلسل منذ الحلقة الأولى من المسلسل حيث قدموا لنا وجبة من التسجيلات والحقائق لكنها مغلفة بإطار درامي أبدع فيه كل صناعه سواء تمثيلا أو كتابة أو إخراجا أو موسيقى تصويرية وأغاني.. في النهاية نحن أمام عمل درامي ذكي في فكرته وجيد في تنفيذه على كافة المستويات مما جعله قادر على خلق حالة مختلفة على الشاشة واعتباره وثيقة تاريخية درامية مهمة عن لحظات فارقة في عمر وطننا.