هل هلالك يا رمضان

يوسف القعيد

يوسف القعيد

كاتب صحفي

ما إن هلَّ علينا شهر رمضان المبارك حتى فوجئنا بأمريكا وإسرائيل تشنان هجوماً على إيران، حيث قامتا بغارات جوية مكثفة على عشرات الأهداف الإيرانية بهدف وقف ما وصفتاه بالتقدم السريع لطهران في تطوير الأسلحة النووية.

نعود إلى شهر رمضان، فعلى مدار العام كله أفضِّل البكور. امتثالاً للعبارة التي كنت أسمعها في قريتنا: البركة في البكور. بل إن والدي يرحمه الله كان يقول أمامي إن من يصحو بعد شروق الشمس لن يجد رزقه، لأن الله سبحانه وتعالى يكون قد وزَّع الأرزاق على عباده الصالحين أثناء نوم هذا الشخص. حدث في رمضان أن نزلت من بيتى مبكراً كعادتى الفلاحية القديمة. لم أدرك أن التاسعة صباحاً في رمضان الكريم تقابل الفجر في الأيام العادية. أصل لأي مبنى أقصده، بنك أو مصلحة عمومية أو نقابة أو مجلس للثقافة، لا أجد أحداً. ورغم سعادتي الدائمة بالفراغ وهروبي من الزحام إلا أنني أسمع أصوات الصمت حولي في صباحات رمضان المبكرة. أعترف أنني أحب القاهرة عندما تخلو من زحام خلق الله. أشعر أنها تمنحك نفسها وتقدم لك حكاياها وتمنحك أسرارها بهدوء. أتجوَّل كثيراً ولا أنجز أي شيء.

حراس الليلة السابقة ما زالوا في أماكنهم. ترى النوم في عيونهم. يتثاءبون كأنهم لا يصدقون أن الليل مضى وأن النهار أطل عليهم بنوره. أنظر لأعمدة النور لأكتشف أن لمباتها مشتعلة. في الليل لا نرى نوراً مع أننا نكون في أمسِّ الحاجة إليه. وفي النهار وشمس الله طالعة، والشمس ثروة كبرى منحها الله سبحانه وتعالى لنا، لكننا لا نجيد استخدامها، فعندما تكون طالعة تضاء لمبات الكهرباء ولا تعرف لِمَ تضىء؟ ولمن تضىء؟ وما هي الحكمة في هدر الإمكانيات الرهيب الذي نراه في كل مكان؟

تقرأ الدهشة في أعين من تركهم الليل الماضي ومضى، وهم ما زالوا في انتظار وردية الصباح لكي يسلموها أعمالهم. ينظرون لي بدهشة. فما أبحث عنه كتاب أو مجلة أو جريدة أمور لا يشاركوننى الرأى أنها مهمة. ولذلك فإن نزولى المبكر من بيتي وانتقالي من مدينة نصر إلى وسط القاهرة مغامرة كبرى لا بد أن يكون وراءها ما وراءها.

حتى البنوك التي تفتح في الأيام العادية من الثامنة صباحاً، توشك أن تضبط عليها ساعتك، لا تفتح في رمضان إلا بعد التاسعة. ربما تلكأ العاملون في الحضور بسبب السهر الرمضانى، فزحزحوا التاسعة لتصبح العاشرة. تنظر لشوارع وسط البلد وشكلها غريب، مكنوسة من الناس، مأخوذة من الزحام، هادئة من الصخب والضجيج. ثمة قط عجوز ينام في مدخل عمارة. وبالقرب منه كلب لم يبقَ منه سوى هيكله العظمى ينام هو الآخر، وبينهما سلام يفرضه كل هذا الهدوء الصباحي.

لا أسمع سوى طنين أذنى شديد الوضوح في هذا الوقت. أنظر إلى المشهد أمامي كأنه لوحة رسمها فنان ماهر.

أرى ما لا أراه وقت الزحام. أشاهد ما لا تصل إليه الأعين عندما يتقدم النهار وتخرج الناس من كل فج عميق باحثة عما تبحث عنه. أعمال أو مصالح أو هموم. المهم أين الناس في هذا الوقت الصباحي المبكر من شهر رمضان؟

لكي أصل من مدينة نصر إلى ميدان سليمان باشا لا بد أن أمر على سيدنا الحسين. الحي الذي يرتبط برمضان في ذهني. أراه ولا أراه. أسمعه ولا أسمعه. أشاهد ما لا أشاهده في الأيام العادية. خلو تام. حتى عساكر المرور تأخروا في المجىء، وإن جاءوا جلسوا على المقاعد، وإن حميت شمس النهار مبكراً يستظلون بمظلات مخصصة أساساً للناس عندما يقفون وقت الظهيرة في انتظار أوتوبيسات لا تجىء أبداً، وإن جاءت تكون محملة بالناس ولا مكان فيها لركاب جدد.

هذا هو رمضان وكل عام وأنتم بخير.