ناظر وقف «الشرق الأوسط»

ماذا يعنى المسئولون الغربيون والإسرائيليون حين يتحدثون عن تغيير الشرق الأوسط؟

لو أنك قرأت رواية «أولاد حارتنا» للرائع الراحل «نجيب محفوظ» فسوف تستمتع بحدوتة يمكن أن تقرب لك الصورة التى تستهدف إسرائيل -والغرب من ورائها- رسمها للشرق الأوسط الجديد. فى رواية «أولاد حارتنا» كان كل شىء فى الحارة وقفاً مملوكاً للجبلاوى، وكان للوقف «ناظر» يتولى إدارة الممتلكات وتحصيل إيجارات البيوت والأراضى والورش والدكاكين وغيرها. الشرق الأوسط الجديد يعنى تحويل هذه المنطقة إلى «وقف» على أن تتولى إسرائيل وظيفة «ناظر الوقف» كوكيل عن الغرب -بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية- الذى يرى أنه أحق بثروات هذه المنطقة من أهلها.

الشرق الأوسط الجديد يعنى إيجاد منطقة تهيمن عليها إسرائيل بشكل كامل، وإسكات أى صوت يدعو إلى المقاومة، ومن يعترض يُرفَع فى وجهه أدوات القوة والسحق (الفتوات الذين يعملون مع ناظر الوقف) وفى هذا السياق تستطيع أن تفهم الضربات الموجهة إلى إيران وأذرعها فى المنطقة، وعلى رأسها حزب الله. يعنى الشرق الأوسط الجديد أيضاً إعادة صياغة جغرافيا المنطقة بما يؤدى إلى تأمين دولة الاحتلال (باعتبار كافة الأراضى أحكاراً مملوكة للجبلاوى الكبير)، والهاجس الأمنى كما تعلم هو أكثر الهواجس حضوراً لدى المحتل، وفى هذا السياق تستطيع أن تفهم التحركات الإسرائيلية فى لبنان وغزة وسوريا. ويعنى الشرق الأوسط الجديد أخيراً إعادة هيكلة منظومة العلاقات داخل المنطقة، بحيث تصبح دولة الاحتلال «الألفا» الذى يقود المنطقة اقتصادياً وسياسياً (ودفع الإتاوات المطلوبة وإلا تعرض من لا يطيع لنبوت الفتوة).

بإمكانك أن تسترجع خطاب الرئيس الأمريكى «ترامب» حول ثروات دول المنطقة وما يملكه أهلها، وحديثه المباشر الصريح عن ضرورة أن تدفع مئات المليارات، وكأن هذه الثروات حكراً مملوكاً للولايات المتحدة. دول أوروبا تفكر بنفس الطريقة لكنها لا تستطيع أن تمارس اللعبة التى يقوم بها «الفتوة الكبير» القابع فى البيت الأبيض. هذا «الفتوة» الذى أرسل «دولة» الاحتلال ليجعل منها وكيلاً له فى المنطقة، أو «ناظر وقف» بعبارة «نجيب محفوظ»، يتولى إدارة الثروات التى تزدحم بها، ولكى يحدث ذلك لا بد أن يدين الكل له بالطاعة، وألا يكون هناك أى نوع من الرفض أو المقاومة للضغوط التى يمارسها عليهم، والإتاوات التى يفرضها عليهم.

لا يوجد فى هذه الحياة قوة مطلقة أو ضعف مطلق، القوى له نقاط ضعف، والضعيف عنده نقاط قوة، ورغم قوة ناظر الوقف والفتوات الذين كان يستعين بهم فى رواية «أولاد حارتنا»، فإن الحرافيش كانوا ينجحون فى مواجهته إذا تلاحموا فيما بينهم ووقفوا صفاً واحداً، رافضين ضغوطه عليهم وإذلاله لهم، أما فى الحالات التى كانوا يسمعون فيها الكلام ويدفعون الإيجارات التى يفرضها ناظر الوقف، والإتاوات التى يقررها الفتوات، فكانت حياتهم عبارة عن خريطة مرسومة فى حجرة «ناظر الوقف».