«الجامع الأزهر» بين المآذن والأروقة.. علم وعبادة وفسحة للأطفال وإفطار للصائمين

كتب: رؤى ممدوح

«الجامع الأزهر» بين المآذن والأروقة.. علم وعبادة وفسحة للأطفال وإفطار للصائمين

«الجامع الأزهر» بين المآذن والأروقة.. علم وعبادة وفسحة للأطفال وإفطار للصائمين

كتبت- رؤى ممدوح:

فى أحد شوارع القاهرة القديمة، تداعب أشعة الشمس مآذن الجامع الأزهر وقبابه التاريخية، فتضيء حجره العتيق الذي يحمل بين طياته حكاية ما يزيد على 1000 عام من العلم والعبادة. الأزقة الضيقة المحيطة بالجامع تنبض بالحياة، وأصوات الباعة تتشابك مع صدى الأذان، لتتجلّى روح القاهرة، مدينة الألف مئذنة، في مشهد حي يمزج بين التاريخ والحاضر.

داخل أسوار الجامع الأزهر يروي كل حجر وكل قبة قصة حضارة عريقة، ويعكس مكانة الأزهر الشريف كصرح علمي وديني خالد، وخلال شهر رمضان يكتسب الجامع طابعا خاصا، وفى إحدى زواياه يجلس أحمد علام، 40 عاما، رفقة زوجته وطفلتهما، يتأمل حركة المنظمين الذين بدأوا في إعداد موائد الإفطار في الساحة الخارجية للجامع، ومن خلفه بدأ المؤذن رفع أذان العصر، بينما تظهر ملامح الإرهاق على ملامحه، حيث وصل لتوه من رحلة طويلة انطلق فيها من مسقط رأسه بمحافظة الأقصر جنوب مصر، قاصدا الجامع الشريف ليقضى نحو 3 أيام في رحاب الأزهر، يقول: «كل سنة أحاول الحفاظ على هذه العادة كلما سمحت لي ظروف عملي، أحيانا أبدأ رمضان هنا، وأحيانا في منتصفه، وأحيانا في نهايته، لأن الشعور بالروحانية هنا مختلف عن أي مكان تاني، وبكون حريص جدا إن زوجتي وطفلتي يكونوا معايا».

تطوير الجامع الأزهر

وأشاد «علام» بالتطور الكبير الذي شهده الجامع الأزهر، حيث لمس تغييرا ملحوظا على مدار سنوات زيارته: «فيه اهتمام كبير بالنظافة والتنظيم، لكن أتمنى زيادة أعداد دورات المياه لتستوعب الجموع الكبيرة التي تقصد الجامع، خاصة في رمضان، كل يوم هنا شعور بالعيد، ومع كل صلاة أشعر بأنّ الروح تعود للمدينة القديمة بروحانية خاصة».

الأزهر

وبين أضواء الفوانيس وصدى التلاوات، يستقبل الجامع الأزهر شهر رمضان بطقوس خاصة، تعكس عمق ارتباطه بالروح الدينية للمصريين، حيث تتحول ساحاته إلى مساحة مفتوحة للعلم والتقوى والتواصل الإنساني، ويقول الدكتور مصطفى شيشي، مدير إدارة شؤون الأروقة بالجامع الأزهر الشريف، إنّ الجامع له أجواءه وطابعه الخاص خلال ليالي الشهر الفضيل، تبدأ بمقدمة القرآن الكريم، حيث يتم تخصيص عدة برامج في ساحات الجامع، مثل المقرأة الصباحية عن بعد، ثم مقرأة داخل الجامع بشكل يومي، إضافة إلى توفير 7 آلاف وجبة يوميا للطلبة الوافدين، بعد أن كانت 5 آلاف خلال السنوات الماضية، يقول: «نسعى كذلك لزيادة وجبات السحور خلال العشر الأواخر من رمضان».

«شيشي» أوضح أنّ الأزهر الشريف هو قِبلة العلماء دون منازع، وحصن الإسلام، والمرجعية الدينية الوسطية لجميع المسلمين في شتى بقاع الدنيا، لافتا إلى أنّ الجامع اكتسب هذه المكانة منذ مئات السنين، بدءا من مصطلح «شيخ العمود»، وهو رجل علم يجلس بجانب أحد أعمدة الجامع، وحوله الطلاب لينهلوا من علمه في شتى المجالات. والطالب الذي يرى فيه الشيخ أنّه يصلح أن يكون شيخا للعمود يتم اختباره في عدد من العلوم، ثم يُرقى لدرجة «مُعيد»، مؤكدا أنّ تلك الكلمة قد خرجت من الأزهر واستخدمت لاحقا في الجامعات.

أوضح أنّ الأزهر افتتح أروقة أخرى للعلم في فروع الجامع الأزهر بمختلف المحافظات، وتوسع فيها بتوجيه من الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف. يقول: «نشرك معظم الجنسيات الوافدة من دول شرق آسيا في تنظيم الإفطار للصائمين داخل الجامع خلال رمضان، كنوع من الاندماج في المجتمع، ليشعروا أن الأزهر هو بيتهم».

الأزهر

أول جامع أُنشئ في القاهرة الفاطمية

ووراء مآذن الأزهر وقبابه تختبئ حكاية طويلة من التحولات الفكرية والعلمية رافقت نشأة القاهرة وتطورها عبر القرون، يؤكد الدكتور محمد حمزة، المؤرخ وخبير الآثار والتراث، أنّ الجامع الأزهر ليس مجرد مسجد للصلاة، بل مؤسسة علمية وحضارية لعبت دورا محوريا في تشكيل هوية القاهرة الدينية والثقافية عبر القرون.

يقول «حمزة» إنّ الأزهر هو أول جامع أُنشئ في القاهرة الفاطمية، ورابع المساجد الجامعة في مصر، وأول مسجد بُني في العاصمة المصرية على الطراز المعماري العربي التقليدي.

ويوضح أنّ الجامع شهد تحولات تاريخية مهمة، أبرزها إلغاء صلاة الجمعة فيه لمدة تقارب مئة عام في عهد القائد صلاح الدين الأيوبي، استنادا إلى فتوى فقهية على المذهب الشافعي، قبل أن يستعيد دوره الجامع لاحقا.

يضيف أنّ الأزهر في العصر الفاطمي كان مدرسة علمية كبرى، ثم تطور دوره في العصر الأيوبي ليشمل تدريس علوم متعددة بينها الطب، حيث درس فيه العالم عبداللطيف البغدادي، ما يعكس تنوع العلوم التي احتضنها الجامع منذ نشأته.

يتابع «حمزة» أنّ الأزهر تحوّل فى العصر المملوكى إلى قلعة للتيار السني وأُلحقت به المدارس العلمية، وهو ما ميّزه عن غيره من المساجد، إذ لم يقتصر دوره على العبادة بل أصبح مدينة علمية متكاملة.

وحول نظام الأروقة، يوضح المؤرخ أنّ الأزهر شهد نشأة أروقة علمية سُميت وفقا لجهات قدوم الطلاب، مثل رواق المغاربة، ورواق الروم، وغيرهما من أروقة طلاب البلاد المختلفة، وكان لكل رواق أوقاف خاصة تُنفق على طلبة العلم. كما أُنشئ رواق خاص لفاقدي البصر، عُرف بـ«رواق العميان»، وتلقى فيه الأديب الكبير طه حسين تعليمه، قبل أن يتم إلغاؤه في ستينيات القرن الماضي.

ويختتم «حمزة» حديثه بالتأكيد على أنّ الدور التاريخي للأزهر تجاوز حدود التعليم الديني: «لولا الأزهر ما تم الحفاظ على اللغة العربية بهذا الشكل، ولا استمرت الوسطية الإسلامية التي تميز المجتمع المصري عبر العصور».