كهف الصائمين
يرتبط رمضان في مخيلة كل فرد منا بحقيبة ذكريات، فما أكثر ما نتذكر أيامه ولياليه، وما أشد ما نشتاق إلى أيامه الطيبة، هناك شعور يجتاح الصائم يمكن وصفه بالشعور الرمضاني، وهو يظهر في تلك اللحظات التي تستعيد فيها الذاكرة بعض الأشياء التي تستحق المراجعة في حياة الفرد.
شهر رمضان يمنح الإنسان فرصة للتأمل، والتأمل والتفكير في أحوال الذات وأحوال الآخرين فعل إيماني، فما أهم أن يخلو الإنسان إلى نفسه ويتأمل، النبى الكريم كان يفعل ذلك قبل البعثة، فقد حُبّبَ إليه الخلاء، وكلنا يعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يلحق بغار حراء ويتعبد فيه، وكأن التأمل عبادة.
الصيام يمنح الإنسان شفافية نفسية عميقة ويحبب إليه العزلة والتركيز مع الذات، وفي مثل هذه اللحظات يستطيع الإنسان أن يمارس فضيلة التأمل، ويراجع أفكاره ونظرته إلى الدنيا وإلى الآخرين ونظرته إلى الآخرة، يتذكر سلوكياته ويقف مع نفسه وقفة ويسألها: هل أؤدى الواجبات المطلوبة منى في الحياة كما ينبغي؟ هل أقوم بالتزاماتى إزاء نفسى وإزاء من حولي دون تردد أو تلكؤ؟ هل أنا بحاجة إلى تغيير بعض سلوكياتي؟ وبناء على إجابته عن هذه الأسئلة التي تقوم على المراجعة المتأنية يستطيع الإنسان أن يستثمر الشهر الكريم في تطوير نفسه.
الصائم يميل نحو الإيواء إلى خلوته، حتى ولو تمثلت في الدخول إلى كهف نفسه ليأنس بذكر الله تعالى، والدعاء له. والاعتكاف -كما تعلم- سنة من السنن التي ارتضاها النبي للصائم، وقد كان صلى الله عليه وسلم يعكتف 10 أيام من رمضان، وهى الأيام العشرة الأخيرة في الأغلب، والمسلم مطالب بإحياء هذه السنة، إنها فرصة نادرة ليهرب الإنسان من مشاغل الحياة وتفاهاتها وهمومها ومشاكلها، الاعتكاف شكل من أشكال الفرار إلى الله تعالى.. قال تعالى في سورة «الذاريات»: «فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ».
الخلو إلى الذات ومناجاة الخالق العظيم عبادة يستطيع أن يمارسها المؤمن أينما كان، سواء في المسجد أو في البيت أو حتى في اللحظات التي يأوى فيها إلى كهف نفسه، كما ذكرت لك، وهو يكون مستعداً لذلك أشد الاستعداد وهو صائم، فساعات الصيام ساعات نورانية تصفو فيها النفس وتحلق فيها الروح بعيداً عن ماديات الجسد، ولذلك تحلو فيها الخلوة.
لقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يتعبد في الخلاء داخل غار حراء، وكان أهل الكهف يدعون ربهم ويسبحونه ويمجدونه داخل الكهف: «إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا»، وكان يونس يسبح ربه ويستغفره ويدعوه وهو في بطن الحوت: «وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِى الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ»، وكان أيوب يدعو ربه في وحدته بعد أن انفض الناس من حوله يأساً من أن يشفى من مرضه: «وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّى مَسَّنِى الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ».
كل إنسان عليم بكهفه.. وأدرى بخلوته.