ما سر اختلاف أجواء شهر رمضان في مصر؟
ما سر اختلاف أجواء شهر رمضان في مصر؟
قال الدكتور عمرو منير، أستاذ التاريخ والحضارة، إن شهر رمضان في مصر له طعم خاص لا يمكن وصفه بسهولة، موضحًا أن هذا الشهر منذ القدم لم يكن مجرد صيام وعبادة فقط، بل كان موسمًا للفرح واللمة والأغاني التي تربى عليها الأطفال في الحارات والشوارع، وبعض هذه الأغاني أقدم بكثير مما يتخيله الناس.
وأوضح أستاذ التاريخ والحضارة، خلال حلقة برنامج "رمضان حكاية مصرية"، المذاع على قناة الناس، اليوم الثلاثاء، أن المصريين قديمًا كانوا ينظرون إلى رمضان باعتباره ضيفًا نورانيًا، وكانوا يعتقدون أنه إذا جاء الشهر الكريم تُربط العفاريت في أوانٍ من النحاس تشبه الفوانيس؛ ولهذا كانت الناس تشعر بالأمان، وكان الأطفال يجلسون أمام البيوت ويضربون على النحاس ومعهم قليل من الملح اعتقادًا بأن ذلك يُخيف الجن ويبعده.
جذور أغاني الأطفال من العصر العباسي إلى الفاطمي
أشار "منير" إلى أن من هذه الأجواء الشعبية خرجت أولى أغاني رمضان، مثل الأغنية التي كان الأطفال يرددونها وهم يضربون على النحاس: “يا رمضان يا صحن نحاس يا داير في بلاد الناس سقت عليك أبو العباس تبات عندنا الليلة”، مبينًا أن هذه الأغنية ليست مجرد لعبة أطفال، بل وراءها تاريخ طويل يحمل لمحة من حب المصريين للعباسيين في فترات قديمة.
وأضاف أن الفاطميين كانت لهم أيضًا نظرتهم الخاصة لشهر رمضان، فقد كانوا يرونه شهرًا ذا مقام كبير، ولذلك كانوا يقيمون احتفالات ضخمة مليئة بالمواكب والأنوار والطعام والكرم والحكايات، وقد ظلت هذه الاحتفالات حاضرة في خيال الناس، وانتقلت مع مرور الوقت إلى أغاني الأطفال الرمضانية التي ما زال المصريون يرددونها حتى اليوم، مثل «وحوي يا وحوي» التي تمتد جذورها في التاريخ المصري القديم.
تفسيرات صوفية وتوثيق الجبرتي
تابع أستاذ التاريخ أن المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي ذكر في كتاباته أن الأطفال في الماضي كانوا يرددون أغنية طويلة تبدأ بقولهم: “حدوتة بالزيت ملتوته حلفت ما آكلها لحد ما يجي التاجر.."، مشيرًا إلى أن أحد الفقهاء الصوفيين سمع هذه الأغنية وفسرها تفسيرًا رمزيًا للسالك؛ فكل كلمة تمثل خطوة، وكل جملة تحمل معنى روحيًا عميقًا.
وأوضح الدكتور عمرو منير أن هذا ما يميز رمضان في مصر؛ فكل شيء فيه له حكاية وجذر ومعنى خفي، فهو ليس فقط شهر عبادة، بل شهر تراث حي يعيش في الكلمات وفي الشوارع وفي فوانيس النحاس، مؤكدًا أن رمضان في مصر سيظل حكاية مصرية متجددة تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل بنوره وأغانيه وذكرياته الفريدة.