من يوقف كرة اللهب في الشرق الأوسط؟

تفتح أحاديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كل أبواب الاحتمالات على طريقته المعهودة في الجمع بين الشيء ونقيضه، وخلق حالة من الضباب الاستراتيجي التي تتيح له اتخاذ الخطوة التي تناسبه في توقيته الخاص. لهذا لا يمكن الاعتماد كلياً على تصريحه بـ«أن الحرب الإيرانية انتهت إلى حد كبير»، لأنه في حديث تالٍ قال عكس ذلك، ثم أعقب ذلك تصعيد عنيف في الضربات العسكرية ضد طهران.. ويستمر القتال.

وبعد ما جرى خلال الأيام الماضية من عمر الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، بات من الممكن القول إن الشرق الأوسط يقف أمام واحدة من أخطر لحظاته. فالمعركة الدائرة حالياً ليست مجرد مواجهة عسكرية بين دولة وإقليم، بل هي نتيجة مباشرة لمسار طويل من الاختلالات الاستراتيجية التي تراكمت في المنطقة منذ مطلع هذا القرن.

من الناحية العسكرية، الصورة تبدو واضحة إلى حد كبير. الولايات المتحدة وإسرائيل تمتلكان تفوقاً عسكرياً واقتصادياً هائلاً، وقد انعكس ذلك في السيطرة شبه الكاملة على الأجواء الإيرانية واستهداف عدد من البنى العسكرية الحيوية داخل إيران. هذا التفوق ليس مفاجئاً، بل هو انعكاس طبيعى للفارق الهائل في القدرات بين الطرفين.
لكن الحروب لا تُحسم دائماً بالقدرة العسكرية وحدها. فإيران، رغم الضربة القاسية التي تلقتها في بداية المعركة، استطاعت أن تتجاوز صدمة البداية بسرعة نسبية، خصوصاً بعد اغتيال عدد من القيادات العسكرية والسياسية البارزة. واستمرار الضربات الصاروخية الإيرانية على الداخل الإسرائيلي، رغم كل الضغوط العسكرية، يعكس أن المعركة ما زالت مفتوحة وأن طهران لا تزال قادرة على إزعاج خصومها.

المشكلة الأساسية في هذه الحرب لا تكمن فقط في ميزان القوى العسكري، بل في الأهداف النهائية للمعركة. فالولايات المتحدة تبدو أقرب إلى البحث عن إنجاز سياسي كبير يسمح للرئيس الأمريكي بإغلاق هذه الصفحة دون أن يبدو كأنه خاض حرباً مكلفة بلا نتائج واضحة. بمعنى آخر، واشنطن تبحث عن «صيد ثمين» يمكن تقديمه للرأى العام باعتباره نجاحاً استراتيجياً. لذلك ظهرت فرضية تنفيذ عملية خاصة لتنفيذ ذلك، حيث ذكرت «بلومبرج نيوز» قبل يومين نقلاً عن ثلاثة مسئولين دبلوماسيين مطلعين أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدرس نشر قوات خاصة على الأرض للاستيلاء على اليورانيوم الإيراني المخصب.

أما إسرائيل، فالأمر بالنسبة لها أكثر وضوحاً وأبعد مدى. فالحكومة الإسرائيلية لا تخفي أن الهدف النهائي هو إضعاف النظام الإيراني إلى الحد الأقصى، وربما إسقاطه إن أمكن، ولهذا السبب بدأ بنك الأهداف الإسرائيلي يتوسع تدريجياً من المنشآت العسكرية إلى البنية التحتية الاقتصادية، بما في ذلك المنشآت النفطية، هذه الاستراتيجية تقوم على فكرة واضحة: إضعاف الدولة من الداخل ودفعها نحو الفوضى.
لكن التاريخ يخبرنا أن اللعب بورقة الفوضى في الشرق الأوسط نادراً ما يبقى داخل حدود الدولة المستهدفة. فالفوضى، عندما تبدأ، لا تعرف حدوداً جغرافية. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية للحرب الحالية.

فدخول جبهات جديدة إلى المعركة، مثل الجبهة اللبنانية، يشير إلى أن الصراع قد يتحول إلى مواجهة إقليمية واسعة. وفي مثل هذه الحالات تصبح السيطرة على مسار التصعيد أكثر صعوبة، خصوصاً في ظل وجود جماعات مسلحة متعددة في المنطقة تعمل خارج سيطرة الدول.
وفي هذا السياق، تبدو العراق إحدى أكثر الدول عرضة لأن تتحول إلى ساحة صراع جديدة. فالدولة العراقية لم تتعافَ بالكامل منذ الغزو الأمريكي عام 2003، ولا تزال تعاني من هشاشة سياسية وأمنية واضحة، إضافة إلى وجود قوى مسلحة متعددة الولاءات. وبالتالى فإن أي تصعيد إقليمي واسع قد يجد طريقه بسهولة إلى الداخل العراقي، وهو ما قد يهدد استقرار الدولة نفسها، وليس فقط أمنها الداخلي.

ولفهم ما يجري اليوم بشكل أعمق، لا بد من العودة إلى نقطة مفصلية في تاريخ المنطقة: سقوط بغداد عام 2003. فذلك الحدث لم يكن مجرد تغيير نظام سياسي في العراق، بل كان نقطة تحول كبرى في النظام الإقليمي بأكمله. فمنذ تلك اللحظة بدأت المنطقة تدخل مرحلة طويلة من التفكك والصراعات الطائفية وصعود الفاعلين غير الحكوميين.

وفي ظل هذا الفراغ الاستراتيجي، وجدت قوى إقليمية عدة الفرصة لتوسيع نفوذها، وعلى رأسها إيران. لكن التمدد الإيراني نفسه أصبح لاحقاً أحد أسباب الصراع الإقليمى الجديد. بمعنى آخر، المنطقة دخلت حلقة مفرغة: تفكك الدولة يولد نفوذاً إقليمياً جديداً، وهذا النفوذ يولد صراعاً جديداً، والصراع الجديد يولد مزيداً من التفكك.

والنتيجة هي ما نراه اليوم: شرق أوسط يعيش على وقع الحروب المفتوحة والأزمات المتتالية.

وسط هذا المشهد المعقد، يبرز سؤال أساسي: أين يقف العالم العربي من كل ذلك؟

للأسف، الإجابة ليست مطمئنة. فحالة التشتت العربى المزمنة جعلت قدرة الدول العربية على التأثير في مسار الأحداث محدودة للغاية. وفي كثير من الأحيان، لا يتجاوز الدور العربي حدود البيانات الدبلوماسية أو مواقف الإدانة. لكن المفارقة أن الأزمات الكبرى غالباً ما تُذكر العرب بحقيقة بسيطة: أن الأمن العربى لا يمكن أن يكون مُجزأ.

ولهذا فإن الأفكار التي طُرحت في السنوات الماضية حول تطوير منظومة للعمل العربي المشترك، بما في ذلك إنشاء قوة دفاع عربية مشتركة، تبدو اليوم أكثر إلحاحاً من أى وقت مضى. فالشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من الصراع، وإذا استمرت المنطقة في حالة الانقسام الحالية، فمن المرجح أن تدفع دول أخرى الثمن ذاته الذى تدفعه اليوم إيران.

ففي الشرق الأوسط، عندما تشتعل النيران في بيت واحد، نادراً ما تبقى بقية البيوت بعيدة عن اللهب.