أعلام التصوف من النساء (21).. منيفة بنت أبي طارق العابدة التي اتعظت بآية واحدة
حين بلغ عرفان باب بيت سرحان، أتته تلاوة ندية طلِية، حتى إنه وقف على الباب مدة، ينصت إليها، ولا يريد أن يطرق فينقطع ما يسمع، أو يوقف ما كان صاحبه غارقاً فيه. فلما وصل سرحان إلى «صدق الله العظيم»، طرق عرفان الباب، ففتح له، وأجلسه.
قال له عرفان:
كم تقرأ من القرآن كل يوم؟
أجابه:
أقرأ جزءاً منه على الأقل.
ابتسم عرفان، وقال:
شيء محمود، والأحمد منه لو تدبرت، حتى لو آية واحدة.
أيكفي هذا؟!
نعم، آية جعلت امرأة واحدة من بين العابدات الزاهدات.
من هي؟
عابدة من عابدات البحرين، وكانت وقتها تطلق على شرق شبه جزيرة العرب، تسمى منيفة بنت أبي طارق، كانت تقوم الليل كله، تردد آية واحدة من سورة «آل عمران»، وهي تبكي، حتى يغرق صدرها.
أي آية هذه؟
قول الله تعالى «وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ».
ومن شهد لها بهذا؟
امرأة تدعى أم عمارة بنت مليك البحراني، حيث باتت عندها ليلة، وشهدت صلاتها، فوجدتها ما زادت على هذه الآية آية أخرى، ظلت ترددها وتبكي.
هز سرحان رأسه، وقال:
آية يكفي تدبرها عميقاً أن تأخذ بلب قارئها وفؤاده، فأي استقامة في غير الاعتصام بالله تعالى؟!
ابتسم عرفان، وقال:
كانت تجد بالغ سعادتها، وأقصى مسرتها، في صلاة الليل، فإذا أقبل قالت: «بخ بخ يا نفس قد جاء سرور المؤمنين». ثم تسرع فترتدي رداء الصلاة، وتقوم إلى محرابها.
هل كانت ممن يسهرون ويسهدون كغيرها؟
قيل إنها كانت إذا صلت العصر هجعت إلى غروب الشمس، وكان ذلك دأبها، فلما قيل لها، لو جعلت هذه النومة في الليل كانت أهدأ، وأسكن لبدنك قالت: لا والله لا أنام في ظلمة الليل ما دمت في الدنيا، ومكثت على حالها هذه طيلة أربعين سنة، وهذا ما تحدث عنه مسمع بن عاصم المسمعي، واصفها وهي قائمة تصلي، بأنها كانت تتحزم وتلبس وتقوم إلى محرابها فكأنها الجذع القائم، حتى تصبح.
صمت عرفان برهة، وواصل:
ــ عدها من أرخوا لسير المتصوفة واحدة من أبرز العابدات والزاهدات اللاتي عشن في منطقة البحرين، وأظهر بعضهم أنها ضربت مثلاً ناصعاً على الاجتهاد في العبادة، وأوردها ابن الجوزي في كتابه «صفوة الصفوة» تحت عنوان «المصطفيات من عابدات البحرين»، وكيف لا يكون هذا وهي التي حافظت على القيام أربعين سنة.
صمت عرفان مرة أخرى، ثم قال:
عاشت منيفة في زمن ساد فيه الزهد والتعبد، وكان له نساؤه في شرق جزيرة العرب.
مثل من؟
هناك ماجدة القرشية، وهي كانت مشغولة بالمقولات الحكيمة أكثر من منيفة، فتصوفها أقرب للوعظ أكثر منه للإفراط في العبادة، مثلما كان نهج منيفة. لكن الاثنتين ذُكرتا ضمن من تمتعن بالزهد الشديد، وانقطعن للعبادة والذكر.
ابتسم سرحان، وقال:
هذا رائع، ما أحوجني الآن لسماع أقوال مأثورة، وحكم سابغة.
ثم توجه إلى عرفان، وسأله:
ـ هل تحفظ شيئاً مما قالته ماجدة القرشية؟
ابتسم عرفان، وقال:
أمهلني قليلاً لأسترجع ما كان مستقراً في رأسي.
وساد بينهما صمت قطعه عرفان قائلاً:
هناك قول لها نقله رجل اسمه إياس بن حمزة، فيه الكثير من العمق والبلاغة.
ما هو؟
كانت ماجدة تقول: «طوى أملي طلوع الشمس وغروبها، فما من حركة تُسمع ولا من قدم تُوضع إلا ظننت أن الموت في أثرها». كانت هذه رؤيتها وطالما حذرت من استسلام الناس لآمال كاذبة، أو الانسياق وراء غرور الدنيا الذي ينسى أهله تذكر النهاية المحتومة، ولذا قالت أيضاً: «بسطوا آمالهم فأضاعوا أعمالهم، ولو نصبوا الآجال وطووا الآمال، لخفت عليهم الأعمال».
وفي هذا كانت تقول أيضاً: «سكان دار أوذنوا بالنقلة وهم حيارى يركضون في المهلة كأن المراد غيرهم، أن التأذين ليس لهم والمعني بالأمر سواهم، آه من عقول ما أنقصها، ومن جهالة ما أتمها بؤساً، لأهل المعاصي، ماذا غروا به من الإمهال والاستدراج؟».
ولهذا كانت تُذكر الناس بيوم القيامة، فتقول لهم: «كفى المؤمنين طول اهتمامهم بالمعاد شغلاً». ولا تكون في هذا نذيرة إنما بشيرة، إذ قالت: «لو رأت أعين الزاهدين ثواب ما أعد الله لأهل الإعراض عن الدنيا، لذابت أنفسهم شوقاً إلى الموت، لينالوا من ذلك ما أملوا من تفضله تعالى».
وأي طريق كانت توصي لبلوغ هذا، رضي الله عنها؟
قيام العبد بحق الله، وهو ما يدل عليه قولها: «لم ينل المطيعون ما نالوا من حلول الجنان، ورضا الرحمن، إلا بتعب الأبدان لله، والقيام لله بحقه في المنشط والمكره».
شرد سرحان قليلاً، ثم عاد يقول:
من أدرانا لعل منيفة قد قالت الكثير أيضاً لكن لم يسجل أحد شيئاً خلفها، ولا أدري إن كانت هذه حظوظ أم شيئاً آخر؟!
هز عرفان رأسه، وقال:
لا تنس أنها عاشت في عصر التابعين، حيث نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث الهجري، ولم يكن التدوين قد أخذ مداه، لا سيما حيال متصوفة، لم يكن يعنيهم تسجيل ما يقولون مثل الفقهاء والمحدثين والمفسرين، فما بالك لو كانت امرأة؟
صدقت يا صاحبي، لكن حديثي من باب التمني، فكم خسرنا كثيراً ضاع من أقوال وأشعار ومواقف وحوارات وأقوال. ويحضرني في هذا المقام قول ابن خلدون عن أمثال منيفة: «لم يكن لهم ملك يحملهم على العناية بتقييد أيامهم، وتدوين أخبارهم، ولم تكن مخالطة بينهم وبين أهل الأرياف والحضر، فبقوا غفلاً إلى أن اندس الكثير من أخبارهم، ولم يصل إلينا منها إلا الشارد القليل».
هز عرفان رأسه، وقال:
لم ينكر المؤرخون أن هناك متصوفات مجهولات، لكن ما كان عساهم أن يفعلوا، ولم يجدوا أحداً قد رآهم، وإن عثروا على من رآهم فقد لا يجدونه قد حفظ شيئاً عنهم، ويزيد الأمر تعقيداً وغموضاً إن كن نساء، لأسباب لا نجهلها نحن الآن.
ثم ابتسم عرفان، وقال:
ـ في العموم تكمل المتصوفات بعضهن بعضاً، فها هي أقوال ماجدة، تعبر عن أحوال منيفة، وما عند منيفة من حال صاغته ماجدة قولاً، وهذا لا يعني أن الأولى بلا أحوال، والثانية بلا أقوال.
تنهد سرحان وقال:
يكفي منيفة حفاظها على تعبد طويل بآية واحدة، وكأنها تعلمنا تدبر القرآن، وعدم الاكتفاء بقراءته من طرف اللسان، فقد وجدت، رحمها الله، في هذه الآية كل شيء يأخذ إلى الطريق المستقيم.
لم يخف عرفان ابتسامته، وقال:
أربعون عاماً على هذا.
إلى أن ماتت؟!
نعم، ومع موتها رويت حكاية عجيبة.
أي حكاية؟
حكاية منسوبة إلى رجل يدعى عامر بن مليك، عاصر منيفة، وكان يعرفها جيداً، حيث قال: رأيت منيفة بعد موتها في منامي فقلت: يا منيفة ما حال الناس هناك؟ فأقبلت علي وقالت: عن أي حالهم تسأل؟ الدار واحدة لأهل الطاعة، يتعالون فيها بالأعمال، ولا تسأل عن حال أهل النار. قال: فبكيت والله من قولها لا تسأل عن حال أهل النار، ثم وليت فأتبعتني صوتاً: يا عامر عليك بالجد والاجتهاد لعلك أن تجري في مساعي السابقين غداً. قال عامر: فمرضت والله من هذه الرؤيا شهراً.